ابو القاسم عبد الكريم القشيري
245
الرسالة القشيرية
التواضع : أن لا ترى لأحد إلى نفسك حاجة ، لا في الدين ، ولا في الدنيا . وقال إبراهيم بن أدهم : ما سررت في إسلامي إلا ثلاث مرات : مرة كنت في سفينة ، وفيها رجل مضحاك « 1 » كان يقول : كنا نأخذ العلج « 2 » في بلاد الترك هكذا ( وكان يأخذ بشعر رأسي ، ويهزنى ) ؛ فيسرني ذلك ؛ لأنه لم يكن في السفينة أحد أحقر في عينه منى . والأخرى : كنت عليلا في مسجد ، فدخل المؤذن ، وقال أخرج . . فلم أطق ، فأخذ برجلي وجرنى إلى خارج المسجد . والثالثة : كنت بالشام ، وعلى فرو ، فنظرت فيه فلم أميز بين شعره وبين القمل ؛ لكثرته ، فسرنى ذلك . وفي حكاية أخرى عنه قال : ما سررت بشئ كسرورى أنى كنت يوما جالسا فجاء إنسان وبال على . وقيل : تشاجر أبو ذر وبلال ، رضى اللّه عنهما ، فعير أبو ذر بلالا بالسواد . . فشكاه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : يا أبا ذر ، إنه بقي في قلبك من كبر الجاهلية شئ . فألقى أبو ذر نفسه . . . وحلف أن لا يرفع رأسه حتى يطأ بلال خده بقدمه . . فلم يرفع حتى فعل بلال ذلك . ومر الحسن بن علي ، رضى اللّه عنهما ، بصبيان معهم كسر خبز ، فاستضافوه ، فنزل ، وأكل معهم . . . ثم حملهم إلى منزلة ، وأطعمهم ، وكساهم ، وقال : اليد « 3 » لهم ، لأنهم لم يجدوا غير ما أطعموني ، ونحن نجد أكثر منه . وقيل : قسم عمر بن الخطاب ، رضى اللّه عنه ، الحلل بين الصحابة من غنيمة ، فبعث إلى معاذ حلة يمانية ، فباعها واشترى ستة أعبد ، وأعتقهم . فبلغ عمر ذلك ، فكان يقسم الحلل بعده ؛ فبعث إليه حلة دون تلك ، فعاتبه معاذ ، فقال له عمر : لا معاتبة ، لأنك بعت الأولى . فقال معاذ : وما عليك . . ادفع إلى نصيبي ، وقد حلفت لأضربن بها رأسك « 4 » . فقال عمر : هذا رأسي بين يديك ، وقد يرفق الشيخ بالشيخ .
--> ( 1 ) كثير الضحك . ( 2 ) الرجل من الكفار . ( 3 ) النعمة . ( 4 ) أي لأضربن رأسك بهذه الحلة .