ابو القاسم عبد الكريم القشيري

242

الرسالة القشيرية

وقال وهب : مكتوب في بعض ما أنزل اللّه تعالى من الكتب : « إني أخرجت الذر « 1 » من صلب آدم ، فلم أجد قلبا أشد تواضعا من قلب موسى ، عليه السلام ، فلذلك اصطفيته وكلمته » . وقال ابن المبارك : التكبر على الأغنياء ، والتواضع للفقراء من التواضع . وقيل لأبى يزيد : متى يكون الرجل متواضعا ؟ فقال : إذا لم ير لنفسه مقاما ولا حالا ؛ ولا يرى أن في الخلق من هو شر منه . وقيل : التواضع نعمة لا يحسد عليها ، والكبر محنة لا يرحم عليها . والعز في التواضع فمن طلبه في الكبر لم يجده . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى يقول : سمعت أبا بكر محمد بن عبد اللّه يقول : سمعت إبراهيم بن شيبان يقول : الشرف في التواضع ، والعز في التقوى ، والحرية في القناعة . وسمعته أيضا يقول : سمعت الحسن الساوى يقول : سمعت ابن الأعرابي يقول : بلغني أن سفيان الثوري قال : أعز الخلق خمسة أنفس : عالم زاهد ، وفقيه صوفي ، وغنى متواضع ، وفقير شاكر ، وشريف سنى . وقال يحيى بن معاذ : التواضع حسن في كل أحد لكنه في الأغنياء أحسن ، والتكبر سمج في كل أحد لكنه في الفقراء أسمج . . . وقال ابن عطاء : التواضع : قبول الحق ممن كان . وقيل : ركب زيد بن ثابت ، فدنا ابن عباس ليأخذ بركابه ، فقال له : مه « 2 » يا ابن عم رسول اللّه . فقال : هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا . فأخذ زيد بن ثابت يد ابن عباس فقبلها ، وقال : هكذا أمرنا أن نفعل بأهل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وقال عروة بن الزبير : رأيت عمر بن الخطاب ، رضى اللّه عنه ، وعلى عاتقه قربة ماء . فقلت : يا أمير المؤمنين ، لا ينبغي لك هذا ! !

--> ( 1 ) أي بني آدم . ( 2 ) أكفف وامتنع .