ابو القاسم عبد الكريم القشيري
233
الرسالة القشيرية
باب الجوع وترك الشهوة قال اللّه تعالى : « وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ » « 1 » . ثم قال في آخر الآية : « وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ » فبشرهم بجميل الثواب على الصبر على مقاساة الجوع . وقال تعالى : « وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ ، وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ » « 2 » « 3 » . أخبرنا علي بن أحمد الأهوازي قال : أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار قال : حدثنا عبد اللّه بن أيوب قال : حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال : حدثنا أبو هاشم صاحب الزعفراني قال : حدثنا محمد بن عبد اللّه ، عن أنس بن مالك أنه حدثه قال : « جاءت فاطمة ، رضى اللّه عنها ، بكسرة خبز لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : ما هذه الكسرة يا فاطمة » ؟ . قالت : قرص خبزته ، ولم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه الكسرة . فقال : أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام . وفي بعض الروايات : جاءت فاطمة ، رضى اللّه عنها ، بقرص شعير . ولهذا كان الجوع من صفات القوم « 4 » ، وهو أحد أركان المجاهدة ؛ فان أرباب السلوك تدرجوا إلى اعتياد الجوع والإمساك عن الأكل ، ووجدوا ينابيع الحكمة في الجوع ، وكثرت الحكايات عنهم في ذلك . سمعت محمد بن أحمد بن محمد الصوفي يقول : سمعت عبد اللّه بن علي التميمي يقول : سمعت ابن سالم يقول : أدب الجوع أن لا ينقص « 5 » من عادته إلا مثل أذن السنور .
--> ( 1 ) آية 155 من سورة البقرة . ( 2 ) خصاصة : فقر وحاجة . ( 3 ) آية 9 من سورة الحشر . ( 4 ) أي الصوفية . ( 5 ) أي العبد .