ابو القاسم عبد الكريم القشيري
204
الرسالة القشيرية
وقال رجل ليحيى بن معاذ : متى أدخل حانوت التوكل ، وألبس رداء الزاهدين ؟ . فقال : إذا صرت من رياضتك في السر إلى حد لو قطع اللّه عنك الرزق ثلاثة أيام لم تضعف في نفسك . فأما ما لم تبلغ هذه الدرجة فجلوسك على بساط الزاهدين جهل ، تم لا آمن عليك أن تفتضح بينهم . . . وقال بشر الحافي : الزهد : ملك لا يسكن إلا في قلب مخلى « 1 » . سمعت محمد بن الحسين ، رحمه اللّه ، يقول : سمعت أبا بكر الرازي يقول : سمعت بن محمد بن الأشعث البيكندى يقول : من تكلم في الزهد ، ووعظ الناس ، ثم رغب في مالهم ، رفع اللّه تعالى حب الآخرة من قلبه . وقيل : إذا زهد العبد في الدنيا وكل اللّه تعالى به ملكا يغرس الحكمة في قلبه . وقيل لبعضهم : لم زهدت في الدنيا ؟ . فقال : لزهدها في . وقال أحمد بن حنبل : الزهد على ثلاثة أوجه : ترك الحرام ، وهو : زهد العوام : والثاني : ترك الفضول من الحلال ، وهو : زهد الخواص . والثالث : ترك ما يشغل العبد عن اللّه تعالى ، وهو : زهد العارفين . سمعت الأستاذ أبا على الدقاق ، يقول . قيل لبعضهم : لم زهدت في الدنيا ؟ قال : لما زهدت في أكثرها أنفت من الرغبة في أقلها . وقال يحيى بن معاذ : الدنيا كالعروس المجلوة ، ومن يطلها ما شطتها والزاهد فيها يسخم وجهها وينتف شعرها ، ويحرق « 2 » ثوبها . والعارف مشتغل باللّه تعالى ، لا يلتفت إليها .
--> ( 1 ) أي لا يتحقق إلا في قلب انقطع طمعه عن الدنيا وتخلى عنها . ( 2 ) وفي نسخة : ويخرق .