ابو القاسم عبد الكريم القشيري
179
الرسالة القشيرية
والسادس : أن يغلق باب ، الأمل ويفتح باب الاستعداد للموت . سمعت الشيخ أبا عبد الرحمن السلمى ، رحمه اللّه ، يقول : سمعت جدى أبا عمرو بن نجيد يقول : من كرمت عليه نفسه هان عليه دينه ! ! وسمعته يقول : سمعت منصور بن عبد اللّه يقول . سمعت أبا على الروذباري يقول : إذا قال الصوفي بعد خمسة أيام أنا جائع ، فألزموه السوق ، وأمروه بالكسب . واعلم أن أصل المجاهد وملاكها « 1 » : فطم النفس عن المألوفات ، وحملها على خلاف هواها في عموم الأوقات . وللنفس صفتان ما نعتان لها من الخير : انهماك في الشهوات ، وامتناع عن الطاعات فإذا جمحت عند ركوب الهوى وجب كبحها بلجام التقوى ، وإذا حرنت عند القيام بالموافقات يجب سوقها على خلاف الهوى ، وإذا ثارت عند غضبها ، فمن الواجب مراعاة حالها ، فما من منازلة « 2 » أحسن عاقبة من غضب بكسر سلطانه بخلق حسن ، وتخميد نيرانه برفق ، فإذا استحلت شراب الرعونة فضاقت ، إلا عن إظهار مناقبها والتزين لمن ينظر إليها ويلاحظها ، فمن الواجب كسر ذلك عليها ، وإحلالها بعقوبة الذل بما يذكرها من حقارة قدرها ، وخساسة أصلها ، وقذارة فعلها . وجهد العوام في توفية الأعمال . وقصد الخواص إلى تصفية الأحوال فان مقاساة الجوع والسهر سهل يسير ، ومعالجة الأخلاق والتنقى « 3 » من سفسافها « 4 » صعب شديد . ومن غوامض آفات النفس : ركونها إلى استحلاء « 5 » المدح ، فان من تحسى منه جرعة حمل السماوات والأرضين على شفرة من اشفاره « 6 » . وأمارة ذلك : أنه إذا انقطع عنه ذلك الشرب « 7 » آل حاله إلى الكسل والفشل . وكان بعض المشايخ يصلى في مسجده في الصف الأول سنين كثيرة ، فعاقه يوما عن الابتكار إلى المسجد عائق ، فصلى في الصف الأخير ، فلم ير بعد ذلك مدة ،
--> ( 1 ) ملاك الأمر بالكسر : قوامه . ( 2 ) نزول في مرتبة . ( 3 ) وفي نسخة والترقي . ( 4 ) سفسافها : أي دنيئها . ( 5 ) وفي نسخة استجلاء . ( 6 ) أي أطراف أجفانه . ( 7 ) أي نصيبه من المدح .