ابو القاسم عبد الكريم القشيري
155
الرسالة القشيرية
أحدهما : ما لا سبيل إليه ، لأنه قال صلى اللّه عليه وسلم : « لو بقيتم على ما كنتم عليه عندي لصافحتكم الملائكة » « 1 » ولأنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « لي وقت لا يسعني فيه غير ربي عز وجل » أخبر عن وقت مخصوص . والوجه الثاني : أنه يصح دوام الأحوال ، لأن أهل الحقائق ارتقوا عن وصف التأثر بالطوارق ، والذي في الخبر أنه قال : « لصافحتكم الملائكة » فلم يعلق الأمر فيه على أمر مستحيل ، ومصافحة الملائكة دون ما أثبت لأهل البداية من قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع » « 2 » . وما قال : « لي وقت . . » ، فإنما قال على حسب فهم السامع . وفي جميع أحواله كان قائما بالحقيقة . والأولى أن يقال : إن العبد ما دام في الترقي ف صاحب تلوين يصح في نعته الزيادة في الأحوال ، والنقصان منها ، فإذا وصل إلى الحق بانخناس أحكام البشرية مكنه الحق سبحانه ، بأن لا يرده إلى معلومات النفس ، فهو متمكن في حاله ، على حسب محله واستحقاقه . تم ما يتحفه - الحق سبحانه ، في كل نفس ، فلاحد لمقدوراته ، فهو في الزيادات متلون ، بل ملون . وفي أصل حاله متمكن ؛ فابدا يتمكن في حالة أعلى مما كان فيها قبله ، ثم يرتقى عنها إلى ما فوق ذلك إذ لا غاية لمقدورات الحق سبحانه في كل جنس .
--> ( 1 ) الحديث بأكمله : عن أبي ربعي : حنظلة بن الربيع الأسيدى : الكاتب أحد كتاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال : « لقيني أبو بكر ، رضى اللّه عنه فقال : كيف أنت يا حنطلة ؟ قلت : فافق حنظلة . قال : سبحان اللّه . ما تقول ؟ فقلت : تكون عند رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم يذكرنا بالجنة والنار كأنها رأى عين ، فإذا أخرجنا من عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا ، قال أبو بكر رضى اللّه عنه ، فو اللّه إننا لنلقى مثل هذا : فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقلت : يا رسول اللّه ، فافق حنظلة فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : وما ذاك ؟ قال : نكون عندك تذكرنا بالنار واللجنة كأنها رأى عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات : نسينا كثيرا ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : والذي نفسي بيده ، أن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ، ولكن يا حنظلة ، ساعة وساعة ثلاث مرات » رواه مسلم . عافسنا : داعبنا ، الضيعات : المعايش . ( 2 ) الحديث بتمامه فيما روراه أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء رضى اللّه عنه ، قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « من سلك طريقا يبتغى فيه علما سهل اللّه له طريقا إلى الجنة ، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع ، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء وفضل العالم على العابد : كفضل القمر على سائر الكواكب ، وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ، وإنما ورثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظ وافر » .