ابو القاسم عبد الكريم القشيري

152

الرسالة القشيرية

فهم كما قال القائل : يا أيها البرق الذي يلمع * من أي أكناف السما تسطع فتكون « 1 » أولا : لوائح ، ثم لوامع ، ثم طوالع : فاللوائح كالبروق ، ما ظهرت حتى استترت ، كما قال القائل : افترقنا حولا فلما التقينا * كان تسليمه على وداعا وأنشدوا : يا ذا الذي زار وما زارا * كأنه مقتبس نارا مر بباب الدار مستعجلا * ما ضره لو دخل الدارا ؟ واللوامع : أظهر من اللوائح . ليس زوالها بتلك السرعة ، فقد تبقى اللوامع وقتين ، وثلاثة . ولكن كما قالوا : والعين باكية لم تشبع النظرا وكما قالوا : لم ترد ماء وجهه العين إلا * شرقت قبل ريها برقيب فإذا لمع قطعك عنك ، وجمعك به ، لكن لم يسفر نور نهاره حتى كرّ عليه عساكر الليل ، فهؤلاء بين روح ونوح ؛ لأنهم بين كشف وستر . كما قالوا : فالليل يشملنا بفاضل برده * والصبح يلحفنا ردءا مذهبا والطوالع : أبقى وقتا ، وأقوى سلطانا ، وأدوم مكثا ، وأذهب للظلمة وأنفى للتهمة . لكنها موقوفة على خطر الأفول ، ليست برفيعة الأوج ، ولا بدائمة المكث . ثم أوقات حصولها وشيكة الارتحال ، وأحوال أفولها طويلة الأذيال . وهذه المعاني ، التي هي : اللوائح واللوامع والطوالع ، تختلف في القضايا « 2 » ، فمنها ما إذا فات لم يبق عنها « 3 » أثر ، كالشوارق إذا أفلت ، فكأن الليل كان دائما . ومنها ما يبقى عنه أثر ، فان زال رقمه « 4 » بقي ألمه ، وإن غربت أنواره بقيت آثاره . فصاحبه بعد سكون غلباته « 5 » يعيش في ضياء بركاته ، فإلى أن يلوح ثانيا يرجى « 6 » وقته على انتظار عوده ، ويعيش بما وجد في كونه « 7 » .

--> ( 1 ) أي الأشياء التي تظهر لهم . ( 2 ) الأحكام . ( 3 ) والأولى أن يقول « عنه » . ( 4 ) أي أثره . ( 5 ) قلقه . ( 6 ) وفي نسخة يزجى : أي يدافع . ( 7 ) أي زمن وجوده .