ابو القاسم عبد الكريم القشيري

15

الرسالة القشيرية

أحمده على ما يولى ويصنع ، وأشكره على ما بزوى « 1 » ويدفع « 2 » ، وأتوكل عليه وأقنع ، وأرضى بما تعطى ويمنع . وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، شهادة موقن بتوحيده ، مستجير بحسن تأييده . وأشهد أن سيدنا محمدا عبده المصطفى ، وأمينه المجتبى « 3 » ورسوله المبعوث إلى كافة الورى . صلى اللّه عليه وعلى آله مصابيح الدجى ، وعلى أصحابه مفاتيح الهدى ، وسلم تسليما كثيرا . هذه رسالة كتبها الفقير إلى اللّه تعالى عبد الكريم بن هوازن القشيري ، إلى جماعة الصوفية ببلدان الإسلام ، في سنة سبع وثلاثين وأربعمائة . أما بعد : - رضى اللّه عنكم - فقد جعل اللّه هذه الطائفة صفوة أوليائه ، وفضلهم على الكافة من عباده ، بعد رسله وأنبيائه ، صلوات اللّه وسلامه عليهم ، وجعل قلوبهم معادن أسراره ، واختصهم من بين الأمة بطوالع أنواره . فهم الغياث للخلق ، والداثرون في عموم أحوالهم مع الحق بالحق . صفاهم من كدورات « 4 » البشرية ، ورقاهم إلى محال « 5 » المشاهدات بما تجلى لهم من حقائق الأحدية ، ووفقهم للقيام بآداب العبودية ، وأشهدهم مجازى أحكام الربوبية « 6 » . فقاموا بأداء ما عليهم من واجبات التكليف ، وتحققوا « 7 » بما منه سبحانه لهم من التقليب والتصريف .

--> ( 1 ) يزوى : يقبض ويمنع . ( 2 ) يدفع : يبسط ويمنح . ( 3 ) المجتبى : المختار . ( 4 ) صفاهم من كدرات البشرية : خلصهم وطهرهم من حظوظ أنفسهم ؛ حيث وفقهم للمجاهدة والرياضة الدائمة . ( 5 ) محال : أماكن ومنازل . ( 6 ) مجارى أحكام الربوبية : منشأ تصرفاته تعالى فيهم وفي غيرهم من العطاء والمنع والإسعاد والإضلال . ( 7 ) تحققوا : أي اتصفوا لطمأنينة قلوبهم بما أبرزته القدرة العلية والحكمة الأزلية .