ابو القاسم عبد الكريم القشيري

148

الرسالة القشيرية

هذا محو وإثبات بشرط العبودية . وأما حقيقة المحو والإثبات ، فصادران عن القدرة : فالمحو : ما ستره الحق ونفاده ، والإثبات ما أظهره الحق وأبداه . والمحو والإثبات مقصوران على المشيئة ، قال اللّه تعالى : « يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ » . قيل : يمحو عن قلوب العارفين ذكر غير اللّه تعالى ، ويثبت على ألسنة المريدين ذكر اللّه ، ومحو الحق لكل أحد وإثباته على ما يليق بحاله . ومن محاه الحق سبحانه عن مشاهدة « 1 » ، أثبته « 2 » بحق حقه « 3 » . ومن محاه الحق عن إثباته به رده إلى شهود الأغيار ؛ وأثبته في أودية التفرقة . وقال رجل للشبلى رحمه اللّه : ما لي أراك قلقا ، أليس هو معك ، وأنت معه ؟ فقال الشبلي : لو كنت أنا معه كنت أنا ، ولكني محو فيما هو . والمحق فوق المحو ؛ لأن المحو يبقى أثرا ، والمحق لا يبقى أثرا . وغاية همة القوم أن بمحقهم الحق عن شاهدهم ، ثم لا يردهم إليهم بعد ما محقهم عنهم . الستر والتجلي العوام « 4 » في غطاء الستر « 5 » ، والخواص في دوام التجلي . وفي الخبر : « إن اللّه إذا تجلى لشئ خشع له » . فصاحب الستر ، بوصف شهوده ، وصاحب التجلي أبدا ، بنعت خشوعه .

--> ( 1 ) أي مشاهدته لنفسه وأفعاله . ( 2 ) حققه . ( 3 ) أي جعل حاله الوجود بواسطة فنائه عن فنائه . بحق الحقيقة : أي بغلبة مشاهدة أنوار الحقيقة فيتم له الوجود بها ( 4 ) أي من الصوفية . ( 5 ) بأن يخفى اللّه عنهم أحوالهم . ليدوموا على جدهم واجهادهم في عباداتهم .