ابو القاسم عبد الكريم القشيري

139

الرسالة القشيرية

الفناء والبقاء أشار القوم بالفناء : إلى سقوط الأوصاف المذمومة . وأشاروا بالبقاء : إلى قيام الأوصاف المحمودة به . وإذا كان العبد لا يخلو عن أحد هذين القسمين ، فمن المعلوم : أنه إذا لم يكن أحد القسمين كان القسم الآخر لا محالة ، فمن فنى عن أوصافه المذمومة ظهرت عليه الصفات المحمودة ، ومن غلبت عليه الخصال المذمومة استترت عنه الصفات المحمودة . واعلم أن الذي يتصف به العبد : أفعال ، وأخلاق ، وأحوال . فالأفعال : تصرفاته باختياره . والأخلاق : جبلة فيه ، ولكن تتغير بمعالجته على مستمر العادة . والأحوال : ترد على العبد على وجه الابتداء ، لكن صفاؤها بعد زكاء الأعمال . فهي كالأخلاق من هذا الوجه ، لأن العبد إذا نازل « 1 » الأخلاق بقلبه فينفى بجهده سفسافها « 2 » ، منّ اللّه عليه بتحسين أخلاقه ، فكذلك إذا واظب على تزكية أعماله ، ببذل وسعه منّ اللّه عليه بتصفية أحواله ، بل بتوفية أحواله . فمن ترك مذموم أفعاله بلسان الشريعة يقال : أنه فنى عن شهواته . فإذا فنى عن شهواته بقي بنيته وإخلاصه في عبوديته . ومن زهد في دنياه بقلبه ، يقال ، فنى عن رغبته . فإذا فنى عن رغبته فيها بقي بصدق إنابته . ومن عالج أخلاقه ، فنفى عن قلبه الحسد والحقد ، والبخل ، والشح والغضب ، والكبر ، وأمثال هذا من رعونات النفس ، يقال : فنى عن سوء الخلق .

--> ( 1 ) انتقل إليها . ( 2 ) حقيرها .