ابو القاسم عبد الكريم القشيري

135

الرسالة القشيرية

سمعت محمد بن الحسين ، يقول : سمعت عمر بن محمد بن أحمد يقول : سمعت امرأة أبى عبد اللّه التروغندى تقول : لما كانت أيام المجاعة ، والناس يموتون من الجوع ، دخل أبو عبد اللّه التروغندى بيته ، فرأى في بيته مقدار منوين « 1 » حنطة ، فقال : الناس يموتون من الجوع ، وفي بيتي حنطه . . فخولط في عقله ، فما كان يفيق إلا في أوقات الصلاة يصلى الفريضة ثم يعود إلى حالته ، فلم يزل كذلك إلى أن مات . دلت هذه الحكاية على أن هذا الرجل كان محفوظا عليه آداب الشريعة عند غلبات أحكام الحقيقة . وهذا هو صفة أهل الحقيقة ، ثم كان سبب غيبته عن تمييزه : شفقته على المسلمين . وهذا أقوى سمة لتحققه في حاله . ومن ذلك : الجمع والفرق لفظ « الجمع والتفرقة » يجرى في كلامهم كثيرا . وكان الأستاذ أبو علي الدقاق يقول : الفرق : ما نسب إليك . والجمع : ما سلب عنك . ومعناه : أن ما يكون كسبا للعبد ، من إقامة العبودية ، وما يليق بأحوال البشرية ، فهو : فرق . وما يكون من قبل الحق ، من إبداء معان ، وإسداء لطف وإحسان فهو : جمع . هذا أدنى أحوالهم في الجمع والفرق ، لأنه من شهود الأفعال . فمن أشهده الحق - سبحانه - أفعاله عن طاعاته ومخالفاته فهو : عبد بوصف التفرقة « 2 » ، ومن أشهده الحق - سبحانه - ما يوليه : من أفعال نفسه سبحانه ، فهو : عبد يشاهد الجمع .

--> ( 1 ) منوين : تثنية منا : وهو مكيال مقداره رطلان . ( 2 ) التفرقة بين العابد والمعبود .