ابو القاسم عبد الكريم القشيري
130
الرسالة القشيرية
وحال الهيبة والأنس ، وإن جلتا ، فأهل الحقيقة يعدونهما : نقصا لتضمنهما تغير العبد . فان أهل التمكين سمت أحوالهم عن التغير . وهم محو في وجود العين « 1 » ، فلا هيبة لهم ولا أنس ، ولا علم ولا حس . والحكاية معروفة عن أبي سعيد الخراز ، أنه قال : تهت في البادية مرة ، فكنت أقول : أتيه فلا أدرى من التيه من أنا * سوى ما يقول الناس في وفي جنسي أتيه على جن البلاد وإنسها * فإن لم أجد شخصا أتيه على نفسي قال : فسمعت هاتفا يهتف بي ، ويقول : أيا من برى الأسباب أعلى وجوده * ويفرح بالتيه الدنى وبالأنس فلو كنت من أهل الوجود حقيقة * لغبت عن الأكوان والعرش والكرسي وكنت بلا حال مع اللّه واقفا * تصان عن التذكار للجن والإنس وإنما يرتقى العبد عن هذه الحالة بالوجود . ومن ذلك : التواجد ، والوجد ، والوجود فالتواجد : استدعاء « 2 » الوجد بضرب اختيار ، وليس لصاحبه كمال الوجد ؛ إذ لو كان لكان واجدا ، وباب التفاعل أكثره على إظهار الصفة ، وليست كذلك . قال الشاعر : إذا تخازرت ، وما بي من خزر « 3 » * ثم كسرت العين من غير عور فقوم قالوا : التواجد غير مسلم لصاحبه ، لما يتضمن من التكلف ويبعد عن التحقيق .
--> ( 1 ) أي الحق أي محيت منهم الذوات والصفات في ذات الحق تعالى . ( 2 ) استدعاء : أي طلب واكتساب . ( 3 ) خزر : صغر العين أو ضيقها .