ابو القاسم عبد الكريم القشيري

11

الرسالة القشيرية

واردات المقادير ، أن يحضر درس أبى على الدقاق ، فيرى إخلاصا ويرى تقوى ، ويرى نورا يرتسم على وجهه ، ويشرق من كلماته فينير قلوب السامعين ، ويجذبهم إلى اللّه . وكانت فطرة القشيري النقية على استعداد تام لسلوك الطريق ، ورأى الإمام أبو علي الدقاق فيه النجابة ، فقبله في زمرة مريديه ، ثم اصطفاه في زمرة أخصائه ، وزوجه ابنته ؛ مع كثرة أقاربها . وانتهى الأمر بالقشيرى إلى أن أصبح - كما يقول عنه الإمام عبد الغافر - « الإمام مطلقا ، الفقيه ، المتكلم ، الأصولى ، المفسر ، الأديب . النحوي ، الكاتب الشاعر ، لسان عصره وسيد وقته ، وسر اللّه بين خلقه ، مدار الحقيقة ، وعين السعادة ، وقطب السيادة ، من جمع بين الشريعة والحقيقة ، كان يعرف الأصول على مذهب الأشعري والفروع على مذهب الشافعي . . . » . ولقد ترجم له صاحب كتاب : « دمية القصر » أبو الحسن الباخرزى فقال : « جامع لأنواع المحاسن تنقاد له صعابها ذلل المراسن ، فلو قرع الصخر بصوت تحذيره لذاب ، ولو ارتبط إبليس في مجلس تذكيره لتاب ، وله فصل الخطاب في فصل المنطق المستطاب ، ماهر في التكلم على مذهب الأشعري ، خارج في إحاطته بالعلوم عن الحد البشرى ، كلماته للمستفيدين فوائد وفرائد . وأعقاب منبره للعارفين وسائد . ثم إذا عقد بين مشايخ الصوفية حبوته ، ورأوا قربته من الحق وحظوته : تضاءلوا بين يديه ، وتلاشوا بالإضافة إليه ، وطواهم بساطه في حواشيه ، وانقسموا بين النظر والتفكير فيه وله شعر يتوج به رؤوس معاليه ، إذا ختمت به أذناب أماليه . . . » . وقد كتب الإمام القشيري كثيرا من الكتب منها : 1 - الرسالة القشيرية التي نقدمها اليوم للقراء مغتبطين . كتبها المؤلف في سنة : سبع وثلاثين وأربعمائة « إلى جماعة الصوفية ببلدان الإسلام » . كتبها تصحيحا لأوضاع كثيرة انحرفت ، وبيانا لما ينبغي أن يكون عليه المريد الصادق . لقد كانت هناك جوانب كثيرة في الأجواء التي تزعم أنها صوفية قد دب إليها الفساد ، وسلك بعض المدعين مسالك ، لا تمت إلى الدين ولا إلى التصوف بصلة ،