علي الهجويري
86
كشف المحجوب
بأداء ما فرضه اللّه عليه ، ولم يغفل منه شيئا ، ولا يهمه في شيء رضى الناس عنه أم غضبوا منه ، وفي النوع الثاني يكون المرء موضع احترام الناس وإجلالهم ، فيميل قلبه إلى هذا الشرف ، ويتعلق بمن يمنحونه إياه ، ولكنه يحب أن يبعد قلبه عنهم ، ويخصصه للّه وحده ، فيقوم عن قصد بارتكاب عمل كريه إليهم ، وإن لم يكن مخالفا للشريعة ، ويكون نتيجة ذلك أن ينفضوا أيديهم منه ، أما في النوع الثالث فإن المرء يدفعه كفره وفساد عقيدته إلى ترك الشريعة ، ولا يقوم بما جاء به قائلا لنفسه : « إني أسير في طريق الملامة » وهو في هذا يتصرف وفق هواه . إن من يسلك الطريق الصحيح ، ويرفض النفاق ، ويبتعد عن العجب والغرور ، لا تهمه ملامة العوام ، بل يسير في طريقه غير آبه بما يطلق الناس عليه من أسماء . ومن قصص أولياء اللّه الشيخ أبا طاهر الحرمى كان في السوق ، يوما راكبا حماره ، وخلفه أحد مريديه فصاح أحد العامة قائلا : ها قد جاء الملحد . فاندفع مريد الشيخ محلقا ، يحاول أن يرجم ذلك الرجل ؛ وعج السوق بالضجيج ، فقال الشيخ لمريده : إذا هدأت أريتك ما يريحك من هذا الأمر . وعندما رجعا إلى الزاوية طلب من مريده أن يحضر صندوقا فلما أحضره أخرج منه لفائف من الرسائل وألقى بها أمامه ، وأمره أن يتفحصها قائلا : انظر كيف يخاطبني كاتبو هذه الخطابات . هذا شخص يلقبنى بشيخ الاسلام ، وهذا بالشيخ الطاهر ، وذلك بالشيخ الزاهد ، وآخر بشيخ الحرمين ؛ وما إلى ذلك ؛ إنها جميعا ألقاب ، ولم يذكر اسمى أحد ، ولست أيا من هذه الأوصاف ، ولكن كلا منهم يصفنى بما يتفق وعقيدته في ؛ فإذا قام ذلك المسكين بنفس العمل فلما ذا تتشاجر معه ؟ . أما من يؤثر الملامة عن قصد ، وينأى بنفسه عن التكريم ، ويبتعد عن السلطة والنفوذ ، فهو أشبه بالخليفة عثمان ، الذي جاء ذات يوم من مزرعته