علي الهجويري

80

كشف المحجوب

الباب الخامس اختلافهم في الفقر والصفاء يختلف الباحثون من أهل الطريق في تفضيل الفقر على الصفاء . فيرى البعض أن الفقر أكمل من الصفاء ، ويقولون إن الفقر هو الفناء الكامل ، وانقطاع الأسرار ؛ أما الصفاء فهو مقام من مقامات الفقر . وعندما يتم الوصول إلى الفناء الكامل تتلاشى المقامات ، وهذا هو نفس الشيء بالنسبة للفقر والغنى . وقد سبق أن فصلنا القول فيه . أما من يضعون الصفاء فوق الفقر ، والذين يقولون إن الفقر شيء موجود يمكن تسميته ، أما الصفاء فهو التخلي عن كل الموجودات ، وعليه فإن الصفاء هو عين الفناء ، أما الفقر فهو روح الفناء ولهذا فإن الفقر أحد أسماء المقامات ، أما الصفاء فهو أحد أسماء الكمال . وقد نوقش هذا الموضوع باستفاضة في عصرنا هذا ، ولجأ كل فريق إلى حجج لفظية دقيقة بعيدة الغور ، ولكن الفريقين يتفقان على أن الفقر والصفاء ليسا إلا مجرد اسمين . إن المتنازعين قد بنوا نزاعهم على ألفاظ ، ونسوا أن يدركوا المعاني . وبذلك تركوا مناقشة الحقيقة ، فهم يعتبرون أن نفى العرض نفى للجوهر ، وإثبات الرغبة إثبات للحقيقة . والطريق براء من مثل هذه الأوهام ، وباختصار : فان أولياء اللّه يصلون إلى منزلة يختفى فيها المكان ، وتتلاشى عندها المقامات ، وتنكشف المظاهر عن الحقائق ، بحيث لا يبقى شرب ولا ذوق ولا قمع ولا صحو ولا محو . أما هؤلاء المتجادلون فهم يبحثون عن اسم مفتعل يسترون به من الأفكار ما لا يسمى أو يوصف ، ويحاول كل منهم أن يطلق عليها من الأسماء ما