علي الهجويري

63

كشف المحجوب

وزيارتهم قصور السلاطين ونزاعهم على صدقة أو لقمة عيش ، تفسد عقيدتهم في كل أهل الصوفية ، يقولون : هذه هي مبادئ الصوفية المعاصرين وليست مبادئ الصوفيين القدامى إلا صورة منها . وهم لا يدركون أن الزمن فترة ، والأيام بلاء . وبما أن الطمع يجعل السلطان جائرا ، والشهوة تجعل العالم فاسقا ، والرياء يجعل الزاهد منافقا ، والغرور يحمل الصوفي على الرقص والغناء ، فعليك أن تدرك أن الفساد في الرجال الذين يعتنقون هذه المبادئ ، لا في المبادئ ذاتها واعلم أن بعض الهازلين قد استخفوا في رداء الصوفيين الأحرار ، ولذلك لا تجعل جد هؤلاء الأحرار هزلا . ويقول القرميسينى : « التصوف هو الأخلاق الرضية » « 1 » والأخلاق الرضية هي أن يرضى المخلوق عن اللّه في كل الأعمال ويقنع بما قسمه اللّه . ويقول أبو الحسين النوري : « التصوف هو الحرية والفتوة وترك التكلف والسخاء وبذل الدنيا » « 2 » . يعنى أن التصوف يحرر المرء من قيود الرغبة والفتوة تجرده من غرور السخاء ، وترك التكلف في ألا يجاهد فيما يتعلق به والسخاء أن يترك الدنيا لأهلها . ويقول الحسين البوشنجي « 3 » : التصوف اليوم اسم بلا حقيقة وقد كان من قبل حقيقة بلا اسم « يعنى أن هذا الاسم لم يكن موجودا في عهد الصحابة رضى اللّه عنهم وفي صدر الإسلام ، ولكن حقيقته كانت في كل شخص ، أما اليوم فقد وجد الاسم وغابت الحقيقة » . ويعنى هذا أن مزاولة حقيقة التصوف كانت سائدة في الماضي ولم يسد الادعاء به . أما اليوم فقد ساد الادعاء ولم يسد العمل .

--> ( 1 ) المرجع السابق ص 396 . ( 2 ) المرجع السابق ص 459 . ( 3 ) في الأصل أبو الحسن بو شنجه .