علي الهجويري
48
كشف المحجوب
إن هذين المعنيين بظهران في قول شيخ المشايخ أبى القاسم الجنيد : « الفقر خلو القلب عن الأشكال » أي عندما يخلو قلب من المظاهر يصبح فقيرا ، إذ أن وجود الظاهر غير وجود اللّه ، ولذلك كان نبذها هو الطريق الوحيد . ويقول الشبلي : « الفقر بحر البلاء وبلاؤه كله عز » أي أن الفقر بحر المتاعب ، وكافة المتاعب التي تأتى من اللّه عز ، والعز جزء من « الغير » ومن امتحنهم اللّه يغمرون في بحر من المتاعب ، ولا يعرفون العز إلا عندما ينسون متاعبهم ، وينظرون إلى مسببها . وعندئذ تتحول متاعبهم إلى عز ، وتتحول عزتهم إلى وقت ، ويتحول وقتهم إلى محبة ، وتتحول محبتهم إلى شهود ، وأخيرا يصبح عقل المشاهد مركزا للرؤية عن طريق خيالة ، فيرى بغير عين ، ويسمع بغير أذن . ومن ناحية أخرى فإن من عظمة الرجال أن يتحملوا الأعباء التي يحملها لهم محبوبهم ، ذلك أن المحبة هي في الحقيقة عزة ، والرجاء ذلة ، والعزة ما يجعل المرء حاضرا مع اللّه ، والذلة هي ما يجعل المرء بعيدا عنه ، ومحنة الفقر دليل على الحضور ، أما بهجة الغنى فهي علامة على الغيبة ، فالحاضر بالحق عزيز ، والغائب عن الحق ذليل ، فبلاؤه مشاهدة ، ودماره أنس فالتعلق بذلك غنيمة . ويقول الجنيد : « يا معشر الفقراء إنما تعرفون باللّه ، وتكرمون للّه . فانظروا كيف تكونون مع اللّه إذا خلوتم به » « 1 » وبمعنى آخر إذا لقبكم الناس بالفقراء واعترفوا بدعواكم ، فاهتموا بأداء ما يفرضه عليكم طريق الفقر . وإذا أعطوكم اسما آخر ، لا يتفق مع ما تعلنون ، فلا تقبلوه ، ولكن قوموا بأداء وظيفتكم ، فإن أحط الناس من يعتبره الناس مخلصا للّه ، وهو ليس كذلك في حقيقته ، وأنبل الناس من لا يرى الناس فيه إخلاصا لله وهو في حقيقته مخلص له سبحانه . فالشخص الأول يشبه دعى الطب ، الذي شهر نفسه وادعى أنه قادر على علاج الناس ، وهو في الحقيقة يزيد حالتهم سوءا ،
--> ( 1 ) الرسالة القشيرية ص 165 .