علي الهجويري
454
كشف المحجوب
فصل [ السماع وارد من الحق ] اعلم أن السماع وارد من الحق سبحانه ، وبما أن الجسم الإنسانى مركب من رعونة ولهو فمزاج المبتدئين لا يقوى على احتمال كلمة الله سبحانه وتعالى ولكنه يقهر اضطرارا بورود هذه الحقيقة فمنهم من يفقد شعروه في السماع ومنهم من يموت ، ولا يوجد واحد يمكنه أن يحفظ توازن أمزجته . ومن المشهور : أنه يوجد في مستشفيات الروم اختراع غريب يسمونه ( الإنجليون ) وتسمى الروم كل شيء غريب بهذا الاسم كالتوراة والإنجيل وكتاب « مانى » ومدلول الكلمة إظهار الحكم . هذا ( الإنجليون ) يشبه العود وأوتاره فالمرضى يحضرون إليه يومين في الأسبوع ويجبرون على السماع مدة العزف لمدة مناسبة لمرضهم ثم يتحولون عنه ، فإذا أريد قتل أي إنسان أبقوه مدة طويلة حتى يموت ، والحقيقة أن لكل أجل كتاب ولكن للموت أسبابا ، على أن الأطباء وغيرهم لهم أن يسمعوا الإنجليون مستمرا بدون أن يؤثر فيهم لأنه متوافق مع طبائعهم العزيزة ومخالف لطبع المبتدئين ، وقد رأيت في الهند دودة وجدت في سم ناقع وهي تتغذى به لأن ذلك السم صار حياتها ، ورأيت في تركستان في مدينة على حدود دار الإسلام بركانا يخرج من فوهاته دخان النشادر ، ورأيت وسط تلك النيران فأرا مات عند خروجه من تلك الحرارة الشديدة . وقصدي من بيان هذه الأمثلة : أن أبين أن اضطراب أحوال المبتدئين عند نزول الوردات الإلهية عليهم هو من أن أجسامهم لا تحتمله لكن المبتدئ يتحملها مع الاستمرار إذ أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لم يتحمل رؤية سيدنا جبرائيل عليه السلام من أول الرسالة ولكنه بعد ذلك كان يحزن لانقطاع الوحي عنه ولو لمدة قصيرة وعلى هذا فنستنتج من الحكاية السابقة التي ذكرتها أن المبتدئين يضطربون ، أما الواصلون فإنهم متمكنون من السماع .