علي الهجويري
417
كشف المحجوب
الأنس والهيبة والفرق بينهما اعلم أسعدك الله : أن الأنس والهيبة هما حالتان لصعاليك طريق الله تعالى إذا ظهرت عظمة الله تعالى في قلب إنسان فسكن جلاله شعر بالهيبة ، أما إذا سبق جماله شعر بالأنس ، فمن شعروا بالهيبة فهم المبتلون ، ومن شعروا بالأنس فهم المبتهجون ، ويوجد فرق بين من يحترقون بجلاله في نار المحبة وبين المستنيرين بجماله في ضوء المشاهدة . قال بعض المشايخ : أن الهيبة هي مرتبة العارفين والأنس هو مرتبة المريدين ، لأنه كلما تقدم الإنسان في حضرة الله تعالى ونزهه عن الصفات ازدادت هيبته وخشيته وازداد بعده عن الأنس لأن الإنسان لا يأنس إلا بمن على شاكلته ، والأنس بالله لا معنى له حيث أنه لا توجد مجانسة ولا مشاكلة بين العبد وربه فإذا جاء الأنس فإنما يكون ذلك بذكره سبحانه وتعالى الذي هو شيء غير ذاته لأنه صفة من صفات الإنسان وفي عرف المحبة من رضى بغير المحبوب فذلك باطل وادعاء وغرور والهيبة من الجهة الأخرى تحصل من مشاهدة العظمة والكبرياء وهما صفتان لله سبحانه وتعالى ويوجد بون شاسع بين من يكون شهوده صادرا من نفسه لنفسه وبين من يكون شهوده صادرا عن فناء نفسه بوجود ربه . يروى أن الشبلي قال : كنت أظن فيما مضى أنى مسرور بمحبة الله تعالى وآنس بمشاهدته سبحانه والآن عرفت أن الأنس مستحيل إلا مع الجنس ، والبعض الآخر يدعون أن الهيبة هي نتيجة القطيعة والعذاب أما الأنس فهو نتيجة الوصل والرحمة ، وعلى ذلك فأحباب الله تعالى يلزم أن يكونوا محفوظين من دواعي الهيبة ومتصلين بالأنس ، لأن الأنس يشمل المحبة . وكما أن المشاكلة مستحيلة في محبة الله تعالى فكذلك هي مستحيلة في الأنس ، لأن الأنس يشمل المحبة .