علي الهجويري

390

كشف المحجوب

حيث أن أهل الكهف لم يرغبوا في النوم أو اليقظة ولكن الله سبحانه وتعالى ألقى عليهم النعاس وأيقظهم متى شاء بغير إرادتهم لقوله تعالى : وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ « 1 » . فإذا وصل الرجل إلى الدرجة التي لا يكون له مراد ويتخلص من كل أمر ولا يشتغل بغير الله سبحانه وتعالى فإنه لا بأس عليه إن نام أو استيقظ حيث أنه في كلا الحالتين موضوع الإكرام . أما عن نوم المريد فإنه يلزمه أن يعتقد عند نومه أنها آخر نومة له فيتوب من ذنوبه ويرضى كل من يطالبه بحق ما يلزمه أن يتوضأ للنوم وينام على جنبه الأيمن مستقبلا القبلة فإذا أتم كل أمور دنياه على ما بينا سالفا يلزمه أن يشكر الله سبحانه وتعالى على نعمة الإسلام وأن يعزم أنه إذا استيقظ من هذه النومة أن لا يعود إلى المعصية . هذا وإن كان من رتب كل أموره الدنيوية والأخروية لا خوف عليه من نوم أو موت . ورويت لنا الحكاية التالية نقلا عن أ - حد كبار المشايخ أنه اعتاد أن يزور إماما من الأئمة وكان ذلك الإمام منغمسا في حفظ شهرته وجاهه ومنصبه حتى أنه وقع فريسة لغرور نفسه فكان يقول له أيا فلان أنك ستموت فأحرجت الإمام كلماته هذه وقال لماذا اعتاد هذا الرجل الشحاذ أن يكرر كلماته على فقال ذات يوم أنا سأبادؤه بتلك الكلمة باكر فلما غدا إلى الشيخ قال له الإمام : يا فلان بن فلان أنك ستموت فوضع الرجل مصلاته وفرشها ووضع رأسه عليها ثم قال : قدمت فخرجت روحه فاتعظ من ذلك الإمام وعلم أن ذلك الشيخ حذره بهذا العمل أن يستعد للموت كما فعل . وكان شيخى يأمر تلاميذه بعدم النوم إلا إذا غلب عليهم النعاس إذا استيقظوا لا يلزمهم النوم مرة ثانية وذلك لأن النوم الثاني مكروه وبطالة لطلاب الصوفية - مطلوبهم هو الحق - وفي هذا المعنى كلام كثير والله أعلم .

--> ( 1 ) سورة الكهف آية 18 .