علي الهجويري

382

كشف المحجوب

فصل في شروط آداب أكلهم أعلم أن الآدمي لا غنى له عن الطعام لأن به إقامة تركيب الطبائع وهي لا تتم إلا بالطعام والشراب أما شرط المروءة فيهما فهو ألا يبالغ المرء في ذلك ولا يشغل به فكره ليل نهار . قال الشافعي : « من كان همه ما يدخل في جوفه ، فإن قيمته ما يخرج منه » ولا أضر على المريد من الأكل الكثير وقد ذكرت طرفا من ذلك في باب الجوع ولكن لا مناص هنا من قدر مناسب . قرأت أن أبا يزيد سئل : لماذا يمتدح الجوع كثيرا ؟ فقال لو كان فرعون خاوى البطن لما قال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى « 1 » ولو كان قارون كذلك لما بقي . وثعلبة كان ممدوحا ما دام جائعا فلما أكل وملأ بطنه لعب به النفاق وقال تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ « 2 » . قال سهل بن عبد الله التستري أنه في رأيي أن البطن المملوءة خمرا خير من البطن المملوءة طعاما حلالا فلما سئل عن سبب ذلك قال لأن البطن إذا ملئت أذهلت الذهن وأخمدت نار الشهوة وأمن الناس من لسانه ويده ، أما إذا ملئت خمر البطن بطعام حلال عمل عمل الجهلاء وازدادت شهوته وتقوت نفسه البهيمية على طلب مشتهياتها . وقد قال المشايخ في وصف الصوفية « أكلهم كأكل المرضى ونومهم كنوم الغرقى » والواجب عليهم أن لا يأكلوا منفردين لكنه يلزمهم أن يشاركوا إخوانهم لقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « شر الناس من أكل وحده وضرب عبده ومنع رفده » « 3 » فإذا

--> ( 1 ) سورة النازعات آية 24 . ( 2 ) سورة محمد آية 12 . ( 3 ) بستان العارفين ص 99 .