علي الهجويري

374

كشف المحجوب

الصحبة ناتجة عن الطبع والانفراد خير للطامعين ومن أهمل منفعة نفسه ونظر إلي منفعة غيره فقد أصاب المرمي في الصحبة قال أحد الدراويش سافرت مرة من الكوفة إلي مكة فلقيت في طريقي إبراهيم الخواص فسألته الصحبة فقال لي : إن من الصحبة أن يأمر أحدنا والآخر يطيع فما الذي تختار أن تكون ؟ فقلت : أختار أن تكون أنت الآمر . فقال لا تعجز عن أداء أوامري . فلما وصلت إلي المنزل أمرني أن أجلس وقام بنفسه واستخرج الماء من البئر وكان الطقس باردا وجمع حطبا وأوقد نارا وكلما أردت أن أعمل شيئا أمرني أن أجلس وأمطرت السماء ليلا فأخذ مرقعته ونشرها علي رأسي طول الليل فاستحييت منه ولكن لم يمكني أن أقول كلمة وذلك وفاء بالشرط الذي أوجبه علي فلما أصبح الصباح قلت له اليوم أكون أنا الآمر فيه فقال حبا وكرامة فلما أتينا إلي المنزل الثاني ابتدأ أن يعمل الخدم التي كان يعملها قبلا ولما أخبرته أن لا يعصي أوامري قال أنه من قلة الأدب أن يخدمك آمرك واستمر علي هذه الحالة حتى وصلنا مكة فاستحييت منه وهربت فتفقدني ووجدني في مني فقال لي يا ولدي إذا صحبت بالدراويش فلاحظ أن تعاملهم كما عاملتك . وعن أنس بن مالك أنه قال : « صحبت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم عشر سنين وخدمته فوالله ما قال لي أف قط وما قال لشيء فعلت لم فعلت كذا ولا لشيء لم أفعله ألا فعلت كذا » والدراويش علي قسمين : مقيم ومسافر وعلي حسب عادة المشايخ فالدراويش المسافرون يعتبرون المقيمين أرقي منهم لأنهم يروحون ويغدون في صالح أنفسهم أما المقيمون فإنهم أقاموا في طاعة ربهم والأولون علامة الطلب والآخرون هم علامة الوصول ولذلك كان من وجد وأقام أرقي ممن لا زالوا يطلبون . وكذلك يلزم الدراويش المقيمين أن يعتبروا المسافرين أكمل منهم لأنهم موثوقون بمتاع الدنيا أما المسافرون فإنهم تخلوا عنها . هذا والمسنون يفضلون علي أنفسهم صغار السن فهم أقرباء عهد بالدنيا وذنوبهم أقل وعلي صغار السن أن يجلوا الكبار لأنهم سابقون بالطاعة والإيمان ومقدمون في الخدمة وحينما يكونون هكذا ينجو كل فريق بالآخر وإلا هلكوا .