علي الهجويري
369
كشف المحجوب
علي هذه الآداب والعادة طبيعية ثانية وأنه من المستحيل أن تتغير الطبائع الأصلية في أي مخلوق ولذلك فما دام الهيكل الإنساني باقيا يلزم الناس أن يحتفظوا بآداب طاعة الله إن كان تكلفا وإن كان بغير التكلف إذا كان في حال الصحو . أما إذا كان مغلوبا فإن الله تعالى يجعلهم محافظين علي حدوده وكل من أهمل الحدود لا يمكن أن يكون وليا لأن المودة عند الآداب وحسن الآداب صفة الأحباب فمن أكرمه الله بأي شيء فذلك برهان علي أنه إعانة لأداء الواجبات الدينية وهذا مناقض لرأي بعض الملاحدة الذين يقولون إن الإنسان إذا غلبت عليه المحبة لا يكلف بأي طاعة وسأبين لك هذه المسألة بكل معانيها في موضع آخر . والآداب علي ثلاثة أنواع : أولها : الأدب مع الله تعالى في التوحيد وهو أن يحفظ الإنسان نفسه سراء وعلنا من أي معصية ويتأدب كأنما هو في حضرة ملك يروي في الأحاديث الصحيحة : أن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم كان ذات يوم جالسا القرفصاء فأتاه جبريل وقال له يا محمد اجلس جلسة العبيد ويقال : أن الحارث المحاسبي لم يرتكن بظهره إلي حائط ليلا ولا نهارا مدة أربعين سنة ولم يجلس إلا علي ركبتيه ولما سئل لماذا ترهق نفسك هكذا قال : « إني لأخجل أن أجلس غير جلسة العبد حالما أكون مشاهدا لله » . وقد شاهدت في قرية كمند « 1 » في آخر حدود خراسان رجلا مشهورا كاملا اسمه أديب كمندي لم يجلس منذ عشرين سنة إلا جلسته في الصلاة في التحيات فسألته عن سبب ذلك . فأجابني : أنه لم يبلغ درجة يجلس بها حالما يكون مشاهدا . وسئل أبو يزيد بم وجدت ما وجدت فقال : بحسن الصحبة مع الله عز وجل أعني بحفظ شروط الأدب والتأدب في السر كالعلن والناس يلزمهم أن يتعلموا من زليخا كيف يلاحظون الأدب عند مشاهدة مقصدهم الأعظم لأنها عندما اختلت بيوسف وظنته سيوافقها علي رغبتها
--> ( 1 ) كمندا اسم قرية .