علي الهجويري
363
كشف المحجوب
فإنك لم ترم الجمرات وإنك لم تؤد الحج : فارجع وأد الحج بالكيفية التي وصفتها لك لكي تصل إلي مقام إبراهيم . سمعت أن أحد العظماء جلس في مواجهة الكعبة وأخذ يتغني بهذا الشعر باكيا : وأصبحت يوم النفر والعيس ترحل * وكان حدي الحادي بنا وهو معجل أسائل عن سلمي فهل من مخبر * بأن له علما بهما أين تنزل ؟ لقد أفقدت حجي ونسكي وعمرتي * وفي البين لي شغل عن الحج مشغل سأرجع من عامي لحجة قابل * فإن الذي قد كان لا يتقبل وقال الفضيل بن عياض : رأيت علي عرفات شابا صامتا مدل برأسه إلي الأرض والناس يدعون ويبتهلون فقلت له : ألا تدعو مثلهم فقال أصابتني وحشة إذ أن وقتي الذي كنت فيه أصابه الفوت وليس لي وجه أدعو به ، فقلت له ادع حتى ببركة هذا الجمع ليرجع إليك ربك مرادك فعند ما أراد أن يرفع يديه ويدعو صرخ صرخة شديدة ووقع ميتا في مكانه . قال ذو النون المصري : رأيت في مني شابا جالسا بسكينة والناس مشتغلون بنحرهم فنظرت إليه لأري ما ذا يفعل . فقال اللهم إن هؤلاء الناس يقدمون الهدي وأنا أريد أن أقدم نفسي فهل تقبلها فبعد أن نطق بهذه الكلمات أشار بإصبعه إلي حنجرته وسقط فلما أمعنت النظر وجدته ميتا رضى اللّه عنه وأرضاه . والحج علي نوعين : حج في غيبة عن الله وحج في حضور مع الله فمن كان غائبا عن الله في مكة هو كمن كان غائبا عنه في بيته ومن كان حاضرا مع الله في بيته هو كمن يكون حاضرا مع الله في منزله والحج عمل من أعمال المجاهدة لنيل المشاهدة والمجاهدة لا تكون علة للمشاهدة بل ربما كانت سببا لها وحيث أن الأسباب ليس لها تأثير علي حقائق الأشياء فمقصد الحج الحقيقي ليس بزيارة الكعبة ولكن بنيل مشاهدة الله تعالى .