علي الهجويري

361

كشف المحجوب

ولكن من دخل في مقامه الروحاني أمن الفرقة بعد الوصال قال صلّى اللّه عليه وسلم : « الحاج وفد الله يعطيهم ما سألوا ويستجيب لهم ما دعوا » « 1 » وهناك فريق آخر لا يدعو ولا يسأل بل يسلم كما فعل سيدنا إبراهيم عليه السّلام : إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ « 2 » فحينما بلغ سيدنا إبراهيم مقام الخلة تفرد عن العلائق وفصل قلبه عن الخلائق فأراد الله تعالى أن يجليه للخلق فولي النمرود حتى يلقي الفرقة بينه وبين ذويه وأمه وأبيه ، فأشعل نارا : وجاء إبليس وأقام منجنيقا ، ووضع جسمه في جلد ثور خيط عليه ، ووضع في مواجهة المنجنيق وجاء إبليس وأخذ بناصية المنجنيق . وقال : هل لك من حاجة قال إبراهيم عليه السّلام : أما إليك فلا . فقال ثانية : ألست في حاجة إلي شيء من الله عز وجل . فرد : حسبي من سؤالي علمه بحالي ، أي أنه كفاني رضا أنه يعلم إنما ألقي بي في النار من أجله » . قال محمد بن الفضل : أن لأعجب ممن يطلبون بيته في هذه الدنيا كيف لا يطلبون مشاهدته في قلوبهم . أما بيته فإنه ربما وصلوه أو فقدوه . أما المشاهدة فإنهم يتمتعون بها دواما فإذا لزمهم أن يزوروا حجرا ينظر مرة كل سنة لصاروا أشد تمسكا بزيارة بيته في قلوبهم التي فيها يشاهد في كل يوم وليلة ثلاثمائة وستون مرة . وكل خطوة من خطوات أهل الحقيقة هي إشارة للجمع ومن وصل إلي مراده ألبس حلة محبوبه قال أبو يزيد من كان ينتظر جزاء الله تعالى علي عبادته في الغد فإنه لم يعبد الله حقا اليوم لأن جزاء كل لحظة من عبادة ومجاهدة جزاء عاجل ، وقال أيضا : لما حججت أول مرة شاهدت البيت وفي المرة الثانية شاهدت البيت ورب البيت وفي الثالثة رأيت رب البيت ولم أر بيتا . وبالاختصار . فأينما تكون المجاهدة لا توجد نهاية والنهاية هي بالمشاهدة وإلا لم يكن

--> ( 1 ) أخرجه ابن ماجة عن أبي هريرة . ( 2 ) سورة البقرة آية 131 .