علي الهجويري

359

كشف المحجوب

أن يكون فيه ثلاثة أشياء نومه غلبة وكلامه ضرورة وأكله فاقة وعلي زعم بعضهم فالفاقة هي الامتناع عن الأكل يومين بلياليهما والبعض يقول : ثلاثة أيام بلياليها والبعض يقولون أسبوعا وعند البعض أربعين يوما لأن أهل الحقيقة يعتقدون أن الإنسان الصادق يجوع مرة في الأربعين يوما وجوعه إنما يعينه علي حفظ حياته وكل جوع بخلافه إنما هو شهوة ولذة . ويلزمك أن تعلم أن كل العروق التي في أجساد العارفين هي آيات عن أسرار ربانية وأن قلوبهم مشغولة بمشاهدة العلي المتعال فقلوبهم أبواب مفتوحة في صدورهم وعلي هذه الأبواب تقف الحكمة والهوي والحكمة تمدها الروح والهوي يمده النفس فكلما تقوت الطبائع البشرية بالأكل تقوت النفس وكلما تغلب الهوي علي أعضاء الجسد يكون في كل شريان حجاب . لكن إذا منعت النفس عن الأكل ضعفت وقويت الحكمة وانكشفت غوامض أسرار الله تعالى حتى تعجز النفس عن العمل فيفني الهوي ويفني كل أمل بإثبات الحق فينال طالب الحق كل مراده . يروي عن أبي العباس القصاب أنه قال : إن طاعتي ومعصيتي تتوقف علي رغيفين من الخبز فإذا أكلت وجدت في نفسي كل شر لكني إن امتنعت عن الأكل وجدت أني أساس كل فضيلة . وثمرة الجوع هي مشاهدة الله سبحانه وتعالي التي تصدر عن المجاهدة . والشبع مع المشاهدة أفضل من الجوع مع المجاهدة لأن المشاهدة هي مصارع الرجال أما المجاهدة فهي ملاعب الأطفال - فالشبع بشاهد الحق خير من الجوع بشاهد الخلق . وفي هذا كلام كثير حذفته توخيا للاختصار .