علي الهجويري

355

كشف المحجوب

والفلاح والطلاح لذلك كان من اللازم علي كل من يصوم أن يحبس كل جوارحه حتى يرجع من المعصية إلي الطاعة لأن الامتناع عن الأكل والشرب ليس إلا لعب الأطفال وعمل النسوة العجائز اللاتي يهربن بالصوم من المأكل والمشرب . كما قال الله تعالى : وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ « 1 » وقال أيضا جل جلاله أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً « 2 » . أي إننا جعلنا كل ما هو مطبوع في حاجة إلي الطعام ، ولم نخلق الناس عبثا . إذن فيجب الإمساك عن اللهو والحرام لا عن أكل الحلال . وإني لأعجب ممن يدعون صيام النفل ويعجزون عن أداء الفريضة فالامتناع عن المعاصي فرض واجب وأما كثرة الصيام فهي سنة فنعوذ بالله من قسوة القلب ، ومن حفظه الله تعالى من المعصية كان في كل أحواله صائما . يروي عن أبي طلحة المالكي أن سهل بن عبد الله التستري كان صائما يوم ولادته ويوم وفاته لأنه ولد في الصباح ولم يذق ثدي أمه إلا بعد صلاة المغرب « 3 » . وفي يوم وفاته كان صائما . أما مواصلة الصيام فقد منعها رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم لأنه لما واصل صيامه اتبعه في ذلك أصحابه فنهاهم عن ذلك قائلا : « لا تواصلوا لست كأحدكم إني أبيت عند ربي فيطعمني ويسقيني » « 4 » . وأهل المجاهدة يقولون إن هذا النهي عن أعمال الرخص وليس حكما علي حرمته والبعض يعتبرون من عمل ذلك مخالفا للسنة والحكم في هذا الأمر أن المواصلة مستحيلة وذلك لأن النهار حينما يولي يقطع الصيام وما دام الصيام لا يستمر ليلا فلا مواصلة . يروي أن سهل ابن عبد الله التستري كان يأكل مرة في كل خمسة عشر يوما وكان إذا أتى شهر رمضان لا يأكل فيه إلا

--> ( 1 ) سورة الأنبياء آية 8 . ( 2 ) سورة المؤمنون : آية 115 . ( 3 ) يبدو أن هذه مبالغة ، وإصدار حكم على مولود لم يبلغ الحلم ليس من الشرع . ( 4 ) رواه البخاري عن أبي هريرة .