علي الهجويري
339
كشف المحجوب
يجوز استخدام كلمه المحبة بالمعاني الثلاثة التي ذكرتها ونسبتها إلى الله . وسوف أشرح لك الآن حقيقة هذا الأمر فأقول : أن محبة الله تعالى للإنسان هي سابقة الحسنى التي قدرها له ورحمته عليه ، والمحبة أحد أسماء إرادته تعالى شأنها في ذلك شأن الرضى والغضب والرحمة والسخط والرأفة وما يشبه ذلك . وإرادته تعالى صفة أبدية ينفذ بها مشيئته . وباختصار فإن محبة الله للإنسان هي مزيد إكرامه للعبد وإعطائه خير الثواب في هذه الدنيا وفي الحياة الأخرى وحفظه من العقاب وصونه من المعصية ومنحة الأحوال العالية والمقامات السامية وقطع قلبه من الالتفات إلى الأغيار وربطه بالعناية الأزلية حتى يتجرد عن الكل وينفرد لطلب رضاه . فإذا اختص الله تعالى إنسانا بهذه الحالة كانت تلك الخصوصية محبة منه سبحانه مبعثها إرادته وهذا مذهب الحارث المحاسبي والجنيد وعدد من مشايخ الصوفية ، ويرى فقهاء الفريقين ومتكلمو أهل السنة هذا الرأي . أما بخصوص إثباتهم : أن محبة الله هي الثناء الذي يمنحه الإنسان على عمله فإن ثناء الله هي كلمته غير المخلوقة . أما قولهم : إن محبة الله هي إكرامه تعالى فإن إكرامه صادر عن أفعاله ولذلك فإن هذه الآراء التي يبدو تعارضها هي في الحقيقة متقاربة في أساسها . أما محبة الإنسان لله تعالى ، فهي صفة تظهر في قلب المؤمن التقى على هيئة إجلال وإعظام فيسعى لإرضاء محبوبه ويستبد به القلق والجزع في محاولته رؤيته تعالى . وهو لا يهدأ نفسا مع أحد إلا معه ويعتاد ذكره ويكره أن يذكر غيره ويكون السكون حراما عليه والراحة براء منه وبذلك ينقطع عن العادات والاجتماعات ويزهد هوى النفس ويتجه بكله نحو ساحة الحب ويخضع لشريعته ويعرف الله بصفاته الكمالية . ومن المستحيل أن تكون محبة العبد لله من نوع محبة الخلق بعضهم البعض إذ أن الأولى رغبة في إدراك المحبوب والوصول إليه أما الثانية فهي من خواص الأجسام . إن من يحب الله هو ذلك الذي يستهلك نفسه في محاوله القرب منه تعالى لا من يبحث عن