علي الهجويري
333
كشف المحجوب
غائبا لزم أن يكون حاضرا بإهمال أدائها ولكن حيث أن أدائها فرض على الكل حاضرين أو غائبين فالصلاة هي مستقلة في ذاتها وحيدة في بابها والصلاة أصل مجاهدة النفس والذين بلغوا مقام الاستقامة يجاهدون أنفسهم دائما في أعمال الصلاة حتى أن المشايخ كانوا يأمرون مريديهم بصلاة أربعمائة ركعة في الليل والنهار حتى تعتاد أجسامهم على العبادة وأهل الاستقامة أيضا يصلون كثيرا شكرا لله تعالى على ما أولاهم من جزيل النعم أما أرباب الأحوال فصلاتهم مع كمال الوجد تشير إلى مقام الجمع لأنهم في حال صلاتهم يصيرون متحدين أما إذا تخلوا عن وجدهم فصلاتهم تشير إلى مقام الفرق فيكونون بها أهل فرق فأولئك الذين يتحدون مع صلاتهم يقومون نهارهم وليلهم ويزيدون عليها نوافل كثيرة وأما أهل الفرق فإنهم لا يزيدون على الصلاة المفروضة . قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم « جعلت قرة عيني في الصلاة » « 1 » لأن الصلاة مصدر الفرح للمستقيم . لما أسرى برسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج وتخلصت نفسه من قيود العناصر وتخلصت روحه من أدران المقامات والدرجات وفنيت قواه الطبيعية وبقي عن الدلائل بلا دليل وصار غائبا عن المشاهدة في المشاهدة واستراح عن المغايبة وتلاشت منه البشرية واحترقت قوته المادية قال عن غير إرادته بإلهام الوجد : « اللهم لا ترجعنى إلى دار البلاء ولا تضعني تحت قيود الطبع والهوى » فأجابه الله : « إنه قد سبق في علمي أن ترجع إلى الدنيا لكي تؤيد الشرع الشريف حتى أعطيك هناك ما منحتكه هنا » فلما رجع إلى هذه الدار كان دائما يقول لتشوقه إلى هذا المقام العلى : « أرحنا بالصلاة يا بلال » هذا وإن كل فريضة من الفرائض له صلّى اللّه عليه وسلم قرب ومعراج . كان الخلق يرونه في الصلاة ، وكانت روحه في الصلاة ، وقلبه في الحلبة فسره في الطيران ونفسه في الذوبان حتى صارت قرة عينه في الصلاة ، كان جسده في الملك وكانت روحه في الملكوت ، وكان جسده إنسيا وروحه في محل
--> ( 1 ) رواه الطبراني عن المغيرة .