علي الهجويري

327

كشف المحجوب

ربما امتنع عن المعاصي أجمعها مثلما يتوب شخص عن الزنا ويصر على شرب الخمر فتوبته عن الزنا قائمة مع إصراره على شرب الخمر ، لكن فرقة من المعتزلة يقولون : بأن الإنسان لا يسمى تائبا إلا إذا ترك جميع الكبائر وهذا مذهب باطل وذلك لأن الإنسان لا يعاقب إلا على المعاصي التي يرتكبها وإذا ترك جانبا منها فلا يخاف العقاب عليها وعلى ذلك فإنه تائب وكذلك إذا هو أدى بعض الفرائض الدينية وأهمل الآخر فإنه يجازى على ما أداه ويعاقب على ما أهمل فيه وزد على ذلك أنه إذا كان لأي إنسان أن يتوب من أية معصية لا يقدر عليها في ساعته فهو تائب لأنه بسابق توبته نال الندم الذي هو أصل من أصول التوبة وفي الحال فإنه رجع كل المعاصي التي من هذا القبيل وقرر عدم الوقوع فيها حتى ولو صارت لديه قدرة وتوفرت له أسباب عملها في وقت آت . أما بخصوص وصف التوبة وصحتها فالصوفية اختلفوا كثيرا فيها فسهل بن عبد الله التستري وآخرون يعتقدون : أن التوبة « ألا تنسى ربك » وأن يدم أسفك عليه حتى ولو عملت أعمالا صالحة فينبغي ألا ترضى عن نفسك لهذا الخصوص لأن توبيخ الضمير على الآثام السابقة خير من الأعمال الصالحة ولأن الإنسان الذي لا ينسى معاصيه لا يقع في الغرور . والجنيد وبعضهم متمسكون بضد هذا الرأي وهو أن التوبة أن تنسى ذنبك يبرهنون على ذلك بأن التائب هو حبيب اللّه وحبيب الله يكون في مشاهدة اللّه ، وأنه من الخطأ أن يذكر الإنسان ذنوبه حال مشاهدته لأن ذكر الذنوب حجاب بين الله وبين من يشاهدونه فذكر الجفاء جفاء وذكر الجفاء حجاب من الوفاء . وهذا الاختلاف يرجع بنا إلى اختلافهم في المجاهدة والمشاهدة الذي ذكرته في الكلام على فرقة السهلية . فمن قالوا : بأن التائب قائم بنفسه اعتبروا نسيان المعصية غفلة أما هؤلاء الذين قالوا إنه قائم بالله رأوا أن ذكره المعصية يكون شركا . وفي الجملة : إذا كان التائب باقي الصفة فعقدة أسراره لا تحل وحينما يكون فإني الصفة لا يصح منه ذكر الصفة