علي الهجويري
300
كشف المحجوب
الجلب ، إذن فبدون تعريفه لا نصب للخلق من معرفة إلا العجز ، يقول أبو الحسين النوري رضى اللّه عنه : « لا دليل على اللّه سواه إنما العلم يطلب لأداء الخدمة » فليس لمخلوق قدرة على هداية مخلوق إلى اللّه ، وليس هناك أعقل من أبى طالب ، كما أنه ليس هناك هاد أفضل وأعظم من محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فلما كان القضاء قد جرى على أبى طالب بالشقاء لم تجده هداية محمد فتيلا . وأول درجة في الاستدلال الاعراض عن الخلق ، ذلك أن الاستدلال تأمل في الغير ، وحقيقة المعرفة الأعراض عن الغير ، ووجود جملة المطلوب بالاستدلال عادة ، والمعرفة خلاف العادة فمعرفته ليست إلا دوام حيرة العقل ، أما إقبال عنايته فلا سبيل للخلق إليها بالكسب ، وليس إلا إنعامه وألطافه للعبد دليلا ، هذا من فتوح القلوب ، ومن خزائن الغيوب ، فكل ما دونه محدث . وإذن فمن الجائز أن يصل المحدث إلى ما يماثله وليس من الجائز أن يصل إلى خالقه مع وجوده وكل ما يأتي عن كسبه فهو كسب . والكاسب غالب والمكتسب مغلوب ، فليس من الكرامة أن يثبت العقل الفاعل بفعله ، والكرامة أن ينفى القلب وجود ذاته بنور اللّه سبحانه وتعالى ، فلذلك معرفة القال ، ولهذا معرفة الحال . وقل لذلك الفريق الذي يعتبر العقل علة المعرفة : انظروا أي شيء يثبت في القلب من عين المعرفة ؟ فما يحدث في القلب بدلائل العقل ويرى أنه اللّه فهذا بخلافه ، فأي مجال للعقل إذن في معرفته بالاستدلال ذلك أن العقل والوهم كلاهما من جنس واحد ، وحينما يثبت أنهما جنس تنتفى المعرفة . إذن فإثهات استدلال العقل تشبيه وفيه تعطيل ولا مجال له إلا في هذين الأصلين ، وكلاهما معرفة . فالمشبة والمعطلة « 1 » لا يعدون من الموحدين إذن فالعقل يسير قدر إمكانه وكل ما يأتي فهو منه ، ولا مناص لقلوب الأحباب من الطلب ، فإنهم قد استراحوا على بلاط العجز ، ولا قرار لهم في راحتهم ، فرفعوا أيديهم متضرعين وبحثوا لجراح قلوبهم عن دواء ، وبلغت طرقهم قدر نوع طلبهم . فقدرة الحق هنا قدرتهم ، أي أنهم وجدوا الطريق به . واستراحوا من ألم الغيبة ، وتنعموا في
--> ( 1 ) يطلق البعض ذلك على المعتزلة لتعطيلهم الصفات .