علي الهجويري

298

كشف المحجوب

فصل [ المعرفة والعلم ] أعلم أسعدك اللّه : أن الناس اختلفوا كثيرا في المعرفة والعلم الإلهى ، فالمعتزلة يثبتون أن المعرفة حق العقل وأنها لا تكون إلا في شخص عاقل ، وهذا المذهب ليس مقبولا ، لأن المجانين الذين في دائرة الإسلام ، قد يظن فيهم المعرفة وأن الأطفال غير العاقلين قد يكونون مؤمنين فلو كان قياس المعرفة عقليا صرفا لم يكن مثل هؤلاء الأشخاص عارفين ، ولكان المشركون لا ينبغي أن يرموا بالشرك مع كمال عقلهم ولو كان العقل هو سبب المعرفة لكان لزاما على كل عاقل أن يعرف اللّه ، ولكان كل ناقص العقل يكون جاهلا به ، الأمر الذي هو خطأ محض . والبعض الآخر يقولون : بأن الاستدلال هو علة معرفة اللّه وأن مثل هذه المعرفة لا ينالها إلا من استنتجها بهذه الطريقة ، وخطأ هذا المذهب قد أوضحه إبليس لأنه رأى كثيرا من الآيات الباهرة ومن الجنة والنار وعرش الرحمن ، ومع ذلك فكل هذه العلل لم تجعله عارفا . قال اللّه سبحانه وتعالى : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ « 1 » ، « 2 » أما أهل السنة من المسلمين وأهل العقل الكامل فإنهم يعتبرون أن الآيات هي سبب المعرفة وليست بعلة لها وأن العلة الحقيقية في ذلك هي مشيئة اللّه وعنايته ، لأن العقل بلا عناية أعمى والعقل لا يحيط علما بنفسه ولم يعرف حقيقته أحد من العقلاء فكيف يعلم غيره فالاستدلال والرؤية والتفكر في الآيات دون عناية خطأ وأهل الضلالة من كل الأجناس يستعلمون طريق الاستدلال ولكن أكثرهم لا يعرفون اللّه .

--> ( 1 ) سورة البقرة : آية 255 . ( 2 ) الآية الكريمة الموجودة في النص الفارسي هي وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ سورة الأنعام : آية 111 .