علي الهجويري
279
كشف المحجوب
يعرفن إن كان سلوكه على هذا النحو مع بنت الوزير ، إذ كانت بينهما طول الصحبة وحسن العشرة ، فأرسلن اثنتين لها يسألانها عن سلوكه معها ، فأجابت : « عندما زففت إلى الشيخ ، وقيل لي إنه سيزورنى في تلك الليلة أعددت عشاء طيبا وتزينت له ، وما أن جاءني وأعددت مائدة الطعام حتى ناداني ، ثم نظر لفترة من الزمن إلى وجهي ثم إلى الطعام ، ثم أخذ بيدي وأدخلها في كمه ، فألفيت من صدره إلى سرته خمس عشرة عقدة في بطنه فقال : « أسألينى عن هذه العقد » فسألته فأجاب : « إنها عقد ناجمة عما أعانى من الألم الإعراضى عن وجه كهذا وطعام كذاك » . ولم يزد على ذلك ثم تركني وخرج وهذا هو مدى ارتباطي به « 1 » . إن مبدأه في التصوف مبنى على الغيبة والحضور ، وسأحاول أن أشرح ذلك على قدر إمكانى . في الغيبة والحضور : برغم أن هاتين العبارتين متعارضتان في ظاهرهما إلا أنهما تعبران عن نفس المعنى من عدة وجوه ، فالحضور هو حضور القلب ، كبرهان على اليقين ، بحيث يصبح لما هو محجوب عنه نفس الأثر الذي يكون لما هو ظاهر له . أما الغيبة فهي غيبة القلب عن كل ما عدا اللّه ، حتى أنه - أي القلب - يصبح غائبا عن نفسه بل غائبا عن الغيبة بحيث لا يرى لنفسه أثرا . وعلامة هذا المقام البعد عن حكم الرسوم ، وهو في هذا يصبح قريب الشبه بالنبي ، عندما تحفظه عناية اللّه من الوقوع في المعصية . وعليه فإن الغيبة عن النفس حضور مع اللّه ، والعكس بالعكس ، واللّه هو مقلب القلوب ، فعند ما تسيطر الجذبة على القلب السالك تصبح غيبة قلبه مساوية لحضوره - مع اللّه - ويختفى الشرك والانقسام ، وتنتهى سيطرة النفس ، وكما قال أحد المشايخ :
--> ( 1 ) لا يقر الإسلام مثل هذه التصرفات فإما أن يمسكهن بمعروف أو يسرحهن بإحسان وما ذكر عاليه ليس من المعروف ولا من الإحسان .