علي الهجويري
273
كشف المحجوب
الخطأ الذي وقع فيه بعضهم في هذا الخصوص ، حتى تعلم ماهية مذهبه ، وتعرف مقصود الصوفية عند استعمالهم لهاتين الكلمتين الشائعتين . فصل في البقاء والفناء يقول اللّه تعالى : ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ « 1 » ويقول تعالى : كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ « 2 » . اعلم أن الفناء والبقاء لهما معنى عامي ، وآخر صوفي ، وأن أهل الظاهر أشد حيرة في هاتين الكلمتين من كل اصطلاحات الصوفية ، فالبقاء اشتقاقا وعلما على ثلاثة معان : ( 1 ) بقاء يبتدئ من الفناء وينتهى في الفناء وذلك هو بقاء هذه الدار التي لها أول وآخر وهي قائمة في وقتنا هذا . ( 2 ) والبقاء الذي صار له وجود وليس له فناء وهو بقاء الجنة والنار والدار الآخرة وأهلها . ( 3 ) وبقاء كان كما كان هو على ما هو عليه كان ، وذلك بقاؤه سبحانه وتعالى وبقاء صفاته القديمة ، والمراد من بقائه دوام وجوده ، تعالى اللّه عما يقول الظالمون ، لا يشاركه أحد في أوصافه ، لذلك فمعرفة الفناء مخصوصة بمعرفتك بفناء هذه الدنيا ، ومعرفة البقاد بمعرفة دوام الآخرة وذلك لقوله تعالى : وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى « 3 » وأبقى هنا مبالغة ، ذلك أن بقاء عمر الدنيا ليس في فنائها . أما بقاء الحال وفناؤه يعنى مثلا أنه إذا فنى الجهل لزم بقاء المعرفة ، وإذا فنيت المعاصي لزم بقاء الطاعة وإذا توصل الإنسان إلى معرفة تقواه
--> ( 1 ) سورة النحل : آية 96 . ( 2 ) سورة الرحمن : آية 26 - 27 . ( 3 ) سورة الأعلى : آية 17 .