علي الهجويري
256
كشف المحجوب
والصحو في بيان مذهب أبي يزيد . لأنه هو وذو النون المصري ومحمد بن خفيف والحسين بن منصور الحلاج ويحيى بن معاذ الرازي متمسكون بأن الكرامة لا تنسب للأولياء إلا إذا كانوا في حال غلبتهم ، أما معجزات الأنبياء فتكون في حال صحوهم ، يتضح من مذهبهم هذا الفرق بين المعجزة والكرامة ، لأن الولي في حال غلبته لا يهتم بالناس ولا ينظر إليهم ولا يدعوهم لاتباعه ، أما أن النبي فهو في حال صحوه يبذل جهدا لينال مقصوده ويدعو الناس ليشهدوا ما عمله . زد على ذلك أن النبي له الخيرة في إظهار أو إخفاء أي معجزة ، أما الأولياء فلا خيرة لهم ، لأنهم ربما حرموا الكرامة إذا طلبوها وربما تظهر الكرامة إذا لم يطلبوها ، لأن الولي ليس له شريعة حتى تكون أوصافه باقية ، لكنه مخفى وكمال حاله أن تفنى صفاته ، فالرسول صاحب شرع والولي صاب ستر ، لذلك فإن الكرامة لا تنسب للولي إلا إذا كان في حال غيبته عن نفسه وحيرته ، بشرط أن تكون كل أعضائه تحت أمر اللّه تعالى ، فالصفة البشرية أن يكون لاهيا أو ساهيا أو إلهيا ، والأنبياءهم الإلهيون إطلاقا فإذا كان الأولياء مع أنفسهم وأثبتوا بشريتهم أصبحوا محجوبين ، أما إذا رفع الستار عنهم احتاروا واندهشوا لظهور كرامة اللّه - والكرامة لا يمكن إثباتها إلا في حال الكشف ، التي هي رتبة القرب ، ومن كان في هذا المقام استوى عنده الذهب والتراب ، وهذا مقام الغلبة الذي لا يستمر فيه أحد من البشر بصورة مستديمة باستثناء الرسل ، إلا إذا كان عارية ولا يكون إلا حال السكر مثلما حدث لحارثة ، انقطع عن هذه الدنيا وكوشف بالآخرة فقال « عزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي حجرها وذهبها وفضتها ومدرها » فلما رؤى اليوم الثاني يعمل في النخيل ، وقيل له ما ذا تفعل ؟ قال إني أطلب قوتى ، لذلك فالأولياء في حال صحوهم يكونون كالعامة ، وفي حال غلبتهم يكونون في رتبة الأنبياء ويكون العالم عندهم كالذهب قال الشبلي بيتا ما معناه : ذهب حيثما ذهبنا ودر * حيت درنا وفضة في الفضا