علي الهجويري

25

كشف المحجوب

وقعت بين أيديهم تلك الخزائن للأسرار الإلهية ، لم يفقهوا لها معنى ، فألقوها لصناع العمائم ، وأعطوها لمجلدى الكتب الأنجاس ، حتى يجعلوا منا بطانة للعمائم ، أو أغلفة لدواوين شعر أبى نواس ، أو هزليات الجاحظ . ولا غرابة في ذلك فإن العقاب الملكي إذا استوى على حائط عجوز معدمة كان جزاؤه نزع ريشه . وقد خلقنا اللّه في زمن يطلق أهله كلمة « الشرع » على كل ما وافق شهواتهم ، ويعتبرون الكبر والطمع « شرفا وعلما » والنفاق مع الناس « خوفا من اللّه » ، واخفاء الغضب للّه والجدال « مناقشة » ، والجهل والسفه « عظمة » ، والتعامى والتدجيل والجهل « وقارا » ، والتمني إرادة والرياء « فناء » وأوهامهم الكاذبة معرفة اللّه تعالى ، وحركات قلوبهم نحو الشهوات « محبة اللّه » ، والإلحاد « فقرا » ، والشك صفاء ، والزندقة ، فناء ، وترك الشريعة « طريقة » ، وصرف الوقت فيما لا يجدى « تقوى » . حتى ضاع من بينهم أرباب المعاني ، وغلبوهم على أمرهم ، كما حدث في الفترة الأولى لأهل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مع آل مروان . وما أحسن ما قاله ملك أهل الحقائق ، وبرهان أرباب الدقائق ، أبو بكر الواسطي عليه رحمة اللّه « 1 » : « ابتلينا بزمان ليس فيه آداب الإسلام ، ولا أخلاق الجاهلية ، ولا أحكام ذوى المروءة » . وقال المتنبي : لحا ا ذي الدنيا مناخا لراكب * فكل بعيد الهم فيها معذب

--> ( 1 ) طبقات الصوفية للسلمى ص 303 ط القاهرة 1953 - تحقيق نور الدين شريبه ، وما يلي من إشارات عن طبقات الصوفية فإنما يعزى لهذه الطبعة .