علي الهجويري

214

كشف المحجوب

بيان السكر والصحو يلزمك أن تعرف أن السكر والغلبة لفظان اصطلح عليهما القوم ، للدلالة على غلبة المحبة للّه . أما اصطلاح الصحو فيعنى تحقيق ما تهفوا إليه النفس . والبعض يقدمون الأول على الآخر ، والبعض يعتقدون بكمال الآخر . وكان أبو يزيد يفضل السكر على الصحو . ويقولون : أن الصحو هو إثبات وتحديد الصفات الإنسانية ، التي هي أكبر حجاب بين الرب وعبده ، بينما السكر هو عدم الصفات الآدمية : مثل النظر والاختيار ، وفناء حول الإنسان وقوته في اللّه حتى لا يبقى في الإنسان ما ينسب إليه . وهذا هو الكمال ، حيث أن داود عليه السّلام ، في حال صحوه ، صدر منه عمل نسبه اللّه إليه فقال تعالى : وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ « 1 » ولكن رسولنا عليه أفضل الصلاة وأتم السلام كان في حالة سكره عندما صدر عنه أمر نسبه اللّه إلى نفسه فقال : وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى « 2 » فشتان بين عبد وعبد . فمن هو قائم بنفسه ، وثابت بصفاته ، يقال له : « أنت فعلت » على سبيل التكريم ومن هو قائم بالحق ، يطلق عليه : « فانى الصفة » فقد فعلنا ما فعلنا ومن الأفضل أن يضاف فعل العبد إلى الحق ، لا أن يضاف فعل الحق إلى العبد لأن فعل الحق إذا كان مضافا إلى العبد كان العبد قائما بنفسه ، وإذا كان فعل العبد مضافا إلى الحق كان قائما بالحق ؛ لأن العبد إذا كان قائما بنفسه كان كداود عليه السّلام ، نظر إلى ما حرم اللّه ، أي إلى زوجة أوريا ، حتى حدث ما حدث « 3 » . وحينما يكون العبد قائما بالحق يكون كالمصطفى صلّى اللّه عليه وسلم حرم النظرة من

--> ( 1 ) سورة البقرة : آية 251 . ( 2 ) سورة الأنفال : آية 17 . ( 3 ) هذه القصة من الإسرائيليات ، وقد وردت في التوراة المتداولة بين أيدي اليهود ، وينكرها الإسلام إنكارا تاما . ونبي الله داود مبرأ عما قالوا ، وقد نقلت بعض كتب التراث الإسلامي مثل هذه القصص الإسرائيلية مما يستوجب تنقية هذه الكتب مما لحق بها - انظر مثال لذلك تاريخ اليعقوبي ج 1 ص 38 .