علي الهجويري

184

كشف المحجوب

وكان أهل الظاهر يتهمونه لغرابة عباراته وغموضها ، ولم تطل له الإقامة في أي بلد إلا في مرو حيث أكرمه سكانها ، وذلك للطافة طبعه ، وحسن أخلاقه ، فقد كان رجلا فاضلا فاستمعوا لأقواله ، وقضى حياته كلها هناك . ويروى أنه قال : « الذاكرون في ذكره أكثر غفلة من الناسين لذكره لأن ذكره سواه » . لأنه من نسي الذكر فلا شيء عليه ، ولكن الذنب كل الذنب على من تذكر ذكره ، وغفل عن المذكور ، لأن إهمال المذكور مع الفكر في الذكر أقرب إلى الغفلة بصورة يزيد على إهمال الذكر بدون فكر . وكل من نظر إلى نفسه ، أثناء حضوره أو غيبته ، يظن أنه حاضر مع اللّه . لذا كل من كان يظن أنه حاضر مع اللّه - وهو ليس بحاضر - أقرب في الحقيقة إلى الغفلة ممن هو غائب دون أن يعرف أنه غائب . لأن الغرور مهلكة لطالبى الحق ، إذ كلما زاد الغرور قلت الحقيقة والعكس بالعكس . وينجم الغرور عن فساد الفكر . الذي ينجم بدوره عن ضراوة النفس الدنيئة . والهمة لا دخل لها في هذين الأمرين ، فذكر اللّه تعالى إما أن يكون في غيبة أو في حضور . فإذا كان العبد غائبا عن نفسه ، حاضرا مع اللّه ، فليس مقامه مقام الحضور ، ولكنه مقام المشاهدة ، ومن كان غائبا عن اللّه تعالى حاضرا مع نفسه ، فليس ذلك بذكر وإنما يكون ذلك غيبة ، والغيبة نتيجة الغفلة ، واللّه أعلم بالحقائق . 57 - ومنهم سكينة الأحوال ، وسفينة المقال ، أبو بكر دلف بن جحدر الشبلي . كان من المشايخ ، وكانت حياته خالية من كل شائبة ، وتمتع بكمال الوقت مع اللّه . كان دقيقا في إشاراته ، حيث قال أحد المحدثين عنه : « ثلاثة من عجائب الدنيا : إشارات الشبلي ، ونكت المرتعش ، وحكايات جعفر » . وكان ابن رئيس حجاب الخليفة ، وقد تاب في مجلس خير النساج ، وصار بعد ذلك مريدا للجنيد ، واتصل بكثير من المشايخ . يروى أنه قال في تفسير الآية : قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ « 1 » أي أبصار الرؤوس عن المحارم ،

--> ( 1 ) سورة النور : آية 30 .