علي الهجويري

138

كشف المحجوب

يروى أن أبا يزيد قال حججت مرة فرأيت البيت قائما ، فقلت في نفسي لم تقبل حجتي ، لأنى أرى كثيرا من أمثال هذه الحجارة ، ثم حججت أخرى فرأيت البيت وصاحبه ، فقلت ليس هذا بالتوحيد الكامل . ثم حججت ثالثة ، فوجدت رب البيت ، فنوديت من قلبي : أي أبا يزيد لو لم تر نفسك لم تشرك وإن كنت قد رأيت الكون كله ، وحيث قد رأيت نفسك فقد أشركت ، وإن كنت فد عميت عن الكون كله ، فتبت عن ذلك ، وتبت بعد ذلك عن توبتي ، ثم تبت عن النظر إلى وجودي . هذه حكاية دقيقة تدلك على كمال حاله وتبين لك دقائق أرباب الأحوال . 13 - ومنهم إمام الفنون ، وعين الظنون ، أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي ، رضي الله عنه . كان عالما بأصول وفروع هذا العلم ، وكانت كلمته حجة عند صوفيى زمانه ، وقد ألف كتابا أسماه « الرغائب » ، في أصول الصوفية وكتبا كثيرة أخرى ، وكانت له معرفة عالية في مختلف العلوم ، ذو ذكاء مفرط ، وكان شيخ بغداد في زمنه . روى أنه قال : « العلم بحركات القلوب ، في مطالعة الغيوب ، أشرف من العمل بحركات الجوارح » يعنى أن من كان ملما بأسرار القلوب ، أشرف ممن يعمل بحركات جوارحه ، وذلك لأن المعرفة هي محل الكمال ، بينما الجهل هو محل البحث . والمعرفة وأنت في الدار خير من الجهل وأنت بالباب والمعرفة توصل الإنسان إلى الكمال . وفي الحقيقة فالعلم أكبر من العمل ، لأن من الممكن أن نعرف الله بالعلم ، ولكنه من المستحيل أن نصل إليه بالعمل ، ولو كان من الممكن الوصول إليه بالعمل بلا علم ، لكان الرهبان في أديرتهم أحق بأن يروه وجها لوجه ، ولحرم عصاة المؤمنين من مشاهدته ؛ لذلك فالمعرفة صفة ربانية والعمل صفة إنسانية .