علي الهجويري

131

كشف المحجوب

قلبه ، يرى مدى بعده هو عن اللّه ، وأن لا سبيل إليه ، فتزداد مسكنته . ولهذا قال موسى في مخاطبته للّه : يا إلهي أين أطلبك ؟ فأجابه اللّه : عند المنكسرة قلوبهم فقال موسى ، ليس هناك قلب أكثر انكسارا ويأسا من قلبي ، فأجابه فأنا حيث أنت . ومن ثم فإن من يدعى معرفة اللّه ، بغير مسكنة وخوف ، جاهل لا عارف وعلامة المعرفة الحقة صدق الإرادة ، والصادق من ينقطع عن كافة الأسباب الثانوية ، ويقطع كافة علاقاته الأخرى ، فلا يبقى إلا اللّه . ويقول ذو النون : « الصدق سيف اللّه في أرضه ما وضع على شيء إلا قطعه » « 1 » إذ أن الصادق لا يرى إلا المسبب ، ولا تهمه الأسباب ، إذ أن الاهتمام بهذه الأسباب هدم لمبدأ الصدق . ومن القصص التي تروى عن ذي النون ، أنى قرأت أنه كان مع أتباعه مرة في قارب بالنيل ، شأن أهل مصر عندما ينشدون الترويح عن النفس ، فاقترب منهم قارب آخر بالصاخبين ، فاستاء أتباع ذي النون من سلوكهم ، حتى أنهم سألوه أن يدعو اللّه أن يغرق القارب بمن فيه ، ولكن ذا النون رفع يديه وقال : « اللهم امنح هؤلاء الناس حياة طيبة في الآخرة ، كما منحتهم حياة طيبة في الدنيا ، فاندهش أتباعه وعند اقتراب القارب رأى من به ذا النون فبكوا وسألوه الصفح وكسروا أعوادهم وتابوا إلى اللّه فقال ذو النون لأتباعه « الحياة الطيبة في الدار الآخرة هي التوبة في الدنيا ، لقد رضيتم ورضوا دون أن يلحق بأحد أذى » . لقد كان سلوكه هذا بسبب حبه البالغ للمسلمين ؛ وهو بذلك يترسم خطى النبي عليه الصلاة والسلام ، الذي لقى من سوء معاملة الكافرين ما لقى ، ومع ذلك فلم يتوقف عن تريد دعائه : « اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون » .

--> ( 1 ) الرسالة القشيرية ص 27 .