علي الهجويري

129

كشف المحجوب

وعندما هممنا بالذهاب طلب منى هارون الرشيد أن أسأله ما إذا كانت عليه ديون فأجاب : نعم . فأمر هارون بقضائها . وعندما خرجنا قال هارون : يا فضل إني ما زلت أريد أن أرى رجلا أعلى شأنا منه ، فأخذته إلى سفيان بن عيينة وانتهت زيارتنا له بنفس الشيء ، فأمر هارون بقضاء ديونه وتركه ، ثم قال لي : إني أذكر أن فضيل بن عياض هنا ، هلم بنا إليه فوجدناه في غرفة بالطابق العلوي يتلو القرآن فعند ما طرقنا الباب صاح من الطارق فأجبت قائلا : أمير المؤمنين . فقال : ما لي ولأمير المؤمنين . فقلت : سبحان اللّه . ألم يرو عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : ليس للعبد أن يذل نفسه في عبادة اللّه ؟ . فأجاب نعم ، ولكن الرضا عز دائم عند أهله ، ولا يجدر بالعبد أن يطلب الذل عند اللّه عز وجل . إنك ترى ذلتى ، ولكني سعيد بالرضا بحكم اللّه . ثم نزل وفتح الباب وأطفأ القنديل ووقف في ركن فدخل هارون وحاول أن يصل إليه وتلاقت يداهما فصاح فضيل : أسفى عليك ، لم أمسك بيد أرق من يدك ! . وددت لو نجت من عذاب اللّه ، فأجهش هارون بالبكاء حتى أغمي عليه ، ولما أفاق قال : يا فضيل عظني ! . فقال فضيل : يا أمير المؤمنين كان جدك العباس عم المصطفى ، فسأله أن يعطيه الإمارة على الناس فأجاب النبي : يا عمى سأعطيك الإمارة على نفسك لحظة ، إن لحظة طاعة للّه خير من طاعة الناس ألف سنة ، لأن الإمارة ندامة يوم القيامة » . فقال : زدني فقال فضيل : عندما عين عمر بن عبد العزيز خليفة دعا سالم بن عبد اللّه ، ورجاء بن حيوة ، ومحمد بن كعب القرظي ، وقال لهم : ما ذا أصنع بهذا العذاب إني اعتبره عذابا ، ويعتبره الآخرون رحمة ، فقال له أحدهم : إذا رمت النجاة غدا من عذاب اللّه فاجعل كبار المسلمين آباءك ، وصغارهم إخوتك ، وأبناءهم أبناءك ، واجعل دار الإسلام دارك ، وأمة الإسلام أهلك ، زر أباك واحترم أخاك وأحسن إلى ولدك .