علي الهجويري

126

كشف المحجوب

أتقف على قدمك طوال الليل من أجل لذتك ، ثم تغضب عندما يطيل الإمام في قراءة بضع آيات القرآن ؟ أين حقيقة الإيمان في مقابل الدعوى ؟ . ثم تاب وعكف على الدراسة ، وتصوف ووصل في تصوفه إلى مقام عال ، حتى أن أمه رأته نائما في حديقته ذات مرة وبجانبه ثعبان كبير يذب عنه ، وقد أمسك بفرع من الريحان في فمه . وغادر عبد اللّه بن المبارك مرو ، وعاش فترة من الزمن في بغداد ، متصلا بمشايخ الصوفية ، واستقر لفترة من الزمن في مكة ؛ وعندما عاد إلى مرو استقبله أهل المدينة بترحاب ؛ وأعدوا له مجلس درس قاعة يجتمعون إليه فيها . وكان نصف سكان مرو - في ذلك الوقت من أهل الحديث ، والنصف الآخر من أهل الرأي ؛ كما هو الحال في عصرنا هذا ؛ ولقبوه مرضى الفريقين ، لأنه وافق كل فريق على رأيه ، وكان كل فريق يعتبره أحدهم فبنى رباطين في مرو ، أحدهما لأهل الحديث ، والآخر لأهل الرأي ، وما زال هذان الرباطان قائمين حتى الآن . رحل بعد ذلك إلى الحجاز ، واستقر بمكة ، وعندما سئل عما رأى من عجائب أجاب : « رأيت راهبا مسيحيا ، هدته المجاهدة ، وأحناه الخوف من اللّه ، فسألته : يا راهب ! كيف الطريق إلى اللّه ، فقال : لو عرفت اللّه لعرفت الطريق إليه ، ثم قال : أعبد من لا أعرفه وتعصى من تعرفه ؟ ! « ويعنى بهذا أن المعرفة تقتضى الخوف ، ولكني أراك واثقا ، والكفر يقتضى الجهل ، ولكني أشعر بشيء من الخوف . فوعيت هذا القول وحمانى من اقتراب كثير من الخطايا » . ويروى عن عبد اللّه بن المبارك أنه قال : « السكون حرام على قلوب أولياء اللّه ، إذا يقلقهم الطلب في الدنيا ، والطلب في الآخرة » . ولا يسمح لهم بالهدوء هنا وهم غائبون عن اللّه ، ولا بالهدوء هناك وهم يتمتعون بالحضرة عند جنابه ، وينعمون برؤيته سبحانه . وعليه فإن الدنيا والآخرة في نظرهم سواء ، لأن سكينة القلب تستوجب أحد شيئين إما نيل المطلوب ؛ أو الغفلة عنه .