علي الهجويري
123
كشف المحجوب
المنصب » وقال : « إن ما قلته الآن أكبر دليل على ذلك ، فلو كنت صادقا لكنت غير أهل للقضاء ، ولو كنت كاذبا فلا يصح أن يتولى القضاء على المسلمين كاذبا وأن تعهد إليه بالقضاء في حياة المسلمين وأملاكهم وأعراضهم » وتمكن عن هذا الطريق أن يتجنب قبول هذا المنصب . ثم تقدم مسعر وأمسك بيد الخليفة قائلا : « كيف حالك وحال أبنائك وسائمتك ؟ » . فقال المنصور : أبعدوه ، إنه مجنون وأخيرا قيل لشريح ، أن عليه أن يقبل هذا المنصب فأجاب : إنني مهموم خفيف العقل . فأشار عليه الخليفة أن يشرب ماء الشعير ، وما شابهه من الشراب ، حتى يستعيد صفاء نفسه . وهكذا صار شريح قاضيا ؛ ولم يحادثه أبو حنيفة بعد ذلك . إن هذه القصة توضح مدى حكمة أبي حنيفة وكمال حاله ، وصدق فراسته وتمكنه بطريق الحق والخلاص ، وعزمه على ألّا ينخدع ويسلك طريق الشهرة والنفوذ الدنيوي . كما تظهر هذه القصة صحة مبدأ الملامة ، إذ أن هؤلاء العلماء الثلاثة لجئوا إلى الحيلة ، لتجنب الشهرة ؛ أما علماء اليوم فهم مختلفون عن هذا كل الاختلاف . إذ يجعلون قصور الأمراء قبلتهم ؛ ومنازل الأشرار معابدهم ، ويسوون بساط الطغاة بدرجة قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى « 1 » . وكل من كان على خلاف ذلك أنكره الجميع . حدث ذات مرة أن أحد علماء غزنة ، وكان يدعى أنه عالم في الدين ، متبحر فيه ، قال : « إن لبس المرقع بدعة » ، فقلت له : « أنت لا تعتبر لبس العباءة الموشاة بالذهب والفضة حراما ، رغم أنها تصنع من الحرير الخالص ، المحرم على الرجال أن يلبسوه ، ورغم أن بعض الناس يلحون في طلب مثل هذه العباءة من الأشرار ، الذين جمعوا مالهم من حرام ، فلما ذا إذن تحرم لبس رداء شرعي ثم الحصول عليه من مكان شريف ، وشراؤه بمال حلال ؟ . إنك لو لم تكن
--> ( 1 ) سورة النجم : آية 9 .