علي الهجويري

120

كشف المحجوب

هذا فقد تركت كتبي في غزنة حاطها اللّه وأصبحت أسيرا بين قوم لا يكتبون في لاهور التابعة لمولتان . والحمد للّه على السراء والضراء . 4 - ومنهم الشيخ الصالح أبو حازم المدني ، وكان مقتدى بعض الشيوخ ، له في المعاملة حظ وافر ، وخطر عظيم ، كما كان ثابتا في فقره ، ومتبحرا في مختلف صفوف مجاهدة النفس . ويروى عمرو بن عثمان المكي - وكلامه مقبول عند كل أرباب القلوب ، ومسطور في معظم الكتب - قائلا : ان أبا حازم أجاب عندما سئل عما يمتلكه : الرضا عن اللّه ، والغناء عن الناس ؛ ولا محالة أن كل من يرضى بالحق ، يكون مستغنيا عن الخلق ، والخزانة العظمى للمرء هي رضا اللّه تعالى وتقدس ، والإشارة إلى غنى اللّه جل جلاله تستتبع أن كل من يكون غنيا به يكون مستغنيا ، ولا يعرف طريقا إلا إلى بابه ، ولا يعرف سواه في الخلا والملا ، ولا يدعو سواه ، ولا يعلم مفرا أو موئلا إلا إياه . وروى أحد المشايخ قال : ذهبت لرؤيته ، فوجدته نائما ، ومكثت زمنا حتى استيقظ . فقال : رأيت الآن في منامي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قد أعطاني رسالة لك ، وأمرني أن أخبرك ، أنه خير لك أن تقوم بواجبك نحو أمك ، من أن تذهب إلى الحج ، ولذلك عد أدراجك وحاول أن ترضيها . فرجع الرجل ولم يذهب مكة . وهذا كل ما سمعته عن أبي حازم . 5 - ومنهم داعى أهل المجاهدة ، والقائم بمحل المشاهدة ، محمد بن واسع الذي لم يكن في وقته مثله . اتصل بعدد كبير من التابعين ، ومن قدامي أئمة التصوف ، وكانت له معرفة كاملة بمبادئ الطريق ، وله في الحقائق أنفاس عالية ، وإشارات كاملة ، ويروى عنه أنه قال : « ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه فيه » « 1 » وهذا مقام عال من مقامات المشاهدة ، ذلك أن المرء عندما تغلبه المحبة للذات العلية يصل إلى مرحلة لا يرى فيها الصنع ، وإنما يرى الصانع ، شأنه في ذلك شأن من ينظر

--> ( 1 ) في التعرف إلى أهل التصوف للكلاباذى ص 64 .