علي الهجويري

118

كشف المحجوب

فأجاب الحبيب : يا سيدي ! إن اللّه لم ينجك منهم بفضل بركتي ، ولكن بفضل قولي الصدق ، فلو أنى كذبت لاصبحنا نحن الاثنين في موضع لا نحسد عليه « 1 » . وسئل حبيب : ما الذي يرضى اللّه ؟ ؛ فأجاب : قلب ليس فيه غبار النفاق . ذلك أن النفاق عكس الوفاق ؛ والرضا عين الوفاق فليس هناك ما يربط النفاق بالمحبة ؛ والمحبة هي أن ترضى بما قسمه اللّه ، لهذا فإن الرضا سمة أحباب اللّه ، أما النفاق فهو سمة أعدائه . وهذا موضع له أهميته وسوف أشرحه في مكان آخر . 2 - ومنهم بقية أهل الأنس ، مالك بن دينار رضى اللّه عنه كان رفيق الحسن البصري ، ومن كبار أهل الطريقة ، وله كرامات كثيرة مشهورة ، وله في رياضة السلوك خصال مذكورة . وكان والده دينار عبدا ، ولد له مالك قبل أن يتحرر ، وكانت بداية حاله أنه في ليلة نثر صبحها الحظوظ الإلهية من أنواره ، على روح مالك وكان يلهو ويعبث مع جماعة من رفاقه ، وعندما ذهبوا إلى النوم أيقظ اللّه حظه ، وانبعث صوت من عود كانوا يعزفون به يقول : يا مالك ! مالك لا تتوب ؟ فترك مالك طريق العبث والمجون ، وذهب إلى الحسن البصري ، وصحت توبته ، وارتفع مقامه ، حتى إنه حدث ذات يوم أن اتهم بسرقة جوهرة ، أثناء وجوده على ظهر مركب ، لأنه كان مجهولا ممن فيها ، فما أن رفع مالك نظره إلى السماء حتى طفت كل أسماك البحر إلى سطح الماء ، وفي فم كل واحدة منها جوهرة ، فأخذ مالك إحدى هذه الجواهر ، وأعطاها للرجل الذي فقد جوهرته ، ثم مشى على الماء حتى وصل الشط . ويروى عنه أنه قال : « أحب الأعمال إلى الإخلاص في العمل » ذلك أن العمل لا يمكن أن يوصف بأنه عمل ، إلا إذا اتسم بالإخلاص ، فالإخلاص

--> ( 1 ) في قوت القلوب للمكى رواية قريبة من هذه ج 3 ص 102 .