علي الهجويري
113
كشف المحجوب
لحيته تقدم إليه هرم وحياه ، فقال أويس : السلام عليك يا هرم بن حيان . فصاح هرم : كيف عرفت أنني هرم ؟ . فقال له أويس : روحي عرفت روحك ، فجلسا فترة ، ثم أرجعه . قال هرم : كان معظم حديثي معه ، من كلام أميري المؤمنين أي : عمر ، وعلى ، رضوان اللّه عليهما . وروى أن عمر روى عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلم قوله : « إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى . فمن كانت هجرته إلى اللّه ورسوله فهجرته إلى اللّه ورسوله . . . » « 1 » ثم قال لي حينذاك : « عليك بحفظ قلبك ، وفي رواية : عليك بقلبك ، أي أحفظ قلبك من التفكير في الغير ولقوله هذا معنيان : 1 - اجعل قلبك مطيعا للّه ، بمجاهدة نفسك . 2 - اجعل نفسك مطيعة لقلبك بالمشاهدة . وهذان مبدآن سليمان ، إذ أن من واجب المريدين أن يجعلوا قلوبهم مطيعة للّه ، كي تتطهر من الأماني والأهواء الضالة ، وتبتعد عن الأفكار الدنيئة ، وتتجه نحو ما يحقق لهم السلامة الروحية ، بإطاعة الأمر ، والتفكير في آلاء اللّه ، حتى تصبح قلوبهم المكان المقدس لمحبوبهم . أما أن يجعل المرء نفسه مطيعة لقلبه ، فهذا من أعمال الكاملين ، الذين أضاء اللّه قلوبهم بنور الكمال ، وخلصها من كافة الأسباب والوسائل ، ومنحهم رداء القرب ، وبذلك أظهر لهم كرمه ، واختارهم ليتفكروا فيه ويقتربوا منه ، ولهذا جعل أبدانهم متفقة مع قلوبهم ؛ فالجماعة الأولى أصحاب قلوب ، والجماعة الثانية مغلوبة القلوب ؛ الأولى باقية الصفات ، أما الثانية فهي فانية الصفات . وترجع صحة هذا إلى قوله تعالى : إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ « 2 »
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ومسلم والنسائي وأبو داود عن عمر بن الخطاب . ( 2 ) سورة الحجر : آية 40 .