السلمي

551

مجموعة آثار السلمي

« غذاء النّفوس في العشرة وغذاء القلوب في المحبّة » . والصّحبة لا تكون إلّا باتّفاق البواطن . قال اللّه تعالى : تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ( 59 : 14 ) . والصّحبة إذا صحّت شرائطها فإنّها أجلّ الأحوال . ألا ترى أنّ الصّحابة رضي اللّه عنهم كانوا أجلّة العلماء والفقهاء والعبّاد والزّهّاد والمتوكّلون ؟ فلم ينسبوا إلى شيء من ذلك غير الصّحبة الّتي هي أعلاها . ( 6 ) ومن آدابهم ألّا يجري في حديثهم « هذا لي » و « هذا لك » و « إن كان كذا لم يكن كذا » و « لعلّ » و « عسى » و « لم فعلت » و « لم لا تفعل » وما يجرى مجراها ، فإنّها من أخلاق العوامّ . ( 7 ) ومن آدابهم إذا اجتمعوا أن يقدّموا أحدهم لتكون مراجعتهم إليه واعتمادهم عليه ، ويكون أرجحهم عقلا ، ثمّ أكبرهم همّة ، ثمّ أعلاهم حالا ، ثمّ أعلمهم بالمذهب ، ثمّ أسنّهم . قال النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « يؤمّ القوم أقرؤهم كتاب اللّه ، فإنّ استووا فأفقههم في الدين ، فإن استووا فأسنّهم ، فإن استووا فأقدمهم هجرة » . كان النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقدّم أهل بدر على سواهم . روي أنّه كان جالسا في صفّة ضيّقة ، فجاء قوم من البدريّين فلم يجدوا موضعا يجلسون فيه ، فأقام النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم من لم يكن من أهل بدر من ذلك المجلس فجلسوا مكانهم . فاشتدّ عليهم ، فأنزل اللّه تعالى : وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ( 58 : 11 ) . ثمّ أحسنهم خلقا ، ثمّ أقدمهم ، ثمّ أتمّهم أدبا ، ثمّ أسبقهم بلقاء المشايخ . قيل : « إذا صحبت إنسانا فانظر عقله أكثر من دينه ، فإنّ دينه له وعقله لك وله ، ولا تصحب من كان أكبر همّه الدّنيا والنّفس والهوى » . قال اللّه تعالى : فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ( 53 : 29 ) . سئل « 1 » أبو عثمان الحيري عن الصحبة ، فقال : « أن توسّع على أخيك من مالك ولا تطمع في ماله ، وتنصفه ولا تطلب منه الإنصاف ، وتكون تابعا له ولا تطلب له أن يكون لك تابعا ، وتستكثر ما إليك وتستقلّ ما منك إليه » . وقيل : « الشّرف في ثلاث خصال : إجلال الكبير ومداراة الصّغير ورفع النّفيس عن الحقير » . وقيل : « الجلساء ثلاثة : جليس مستفيد منه فلازمه ، وجليس تفيده فلازمه ، وجليس لا تستفيد منه ولا تفيده فاهرب منه » . قيل : « مجالسة العلماء للاستفادة ومجالسة

--> ( 1 ) . في الأصل : قال .