السلمي

472

مجموعة آثار السلمي

تكبّرا على أبناء جنسهم ممّن لم يسافروا سفرهم . وهذا غلط ، ما لهذا سافر القوم وإنّما سافروا لتستبين لهم أخلاقهم فيعلمون ما لا يصلح في درجاتهم فيبدلونه وليلقوا المشايخ . ومن كان قصده في لقاء المشايخ أن يأخذ منهم كلامهم فيروح به على العامة فهو متعنّ في سفره وقصده . ومن كان قصده الافتخار بأنّه رأى فلانا أو فلانا فهو راو مراء . ومن كان قصده التّأدّب بهم والأخذ عنهم والائتمار بأمرهم واعتقاد الحرمة لهم فأولئك هم المسافرون الظّافرون . ومن طلبت منه نفسه إقبال شيخ عليه أو كرامة له فإنّ سفره كسفر من انتقل من العلم إلى الجهل ولا ينتفع بذلك أبدا . ( 15 ) وطبقة غلطوا في الإنفاق وتوهّموا أنّ المراد من الإنفاق هو البذل والخلق والسّخاء . وليس مراد القوم ذلك ولكنّهم رأوا أنّ التّعلّق بالأسباب قطع عن المسبّب . ( 16 ) وطبقة غلطوا في المباحات ولم يتكلّفوا مراعاة الأوقات وقالوا : « ليس لنا معلوم . أيّ شيء وجدنا أكلنا وذلك وقتنا » . وذلك غلط ، لأنّ الوقت إذا فات ليس يدرك . وليس الوقت الّذي يكون معمورا بالأرفاق ، إنّما الوقت ما يكون معمورا بالذّكر والإخلاص والرّضا . وعمارة الوقت بالأرفاق وما لا تهوى الأنفس من نزعات الشّيطان ، وعمارته بالذّكر من مراد الرّحمن . ( 17 ) وطبقة غلطوا في ترك الطّعام والعزلة وتوهّموا أنّ النّفس إذا كسرت بترك الطّعام انكسرت وذلّت ويؤمن شرّها . وذلك غلط ، إنّما يؤخذ طريق تذليل النّفس وكسرها من المشايخ والأستاذين حتّى لا يكون على صاحبها ممّا يريده من الخير شرّ ، فإنّ الشرّ إذا تولّد من طريق الخير لا يمكن تداركه . والإنسان إذا ترك الطّعام أيّاما أدّاه ذلك إلى خلل يقع في الفرائض ، وتقصير يقع في فريضة أضرّ على المريد من تمادي النّفس في كلّ وقت . ويجب على العبد ألّا يأكل من الطّعام ما يقويه على طلب الشّهوات ولا يتركه حتّى يضعف عن الفرائض بل يستعمل السّنّة في ذلك وهي ما قال النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « ثلث للطّعام وثلث للشّراب وثلث للنّفس » . والثّلث الّذي هو للنّفس هو لأنفاس العبادة والفهم عن اللّه سبحانه والرّجوع إليه . ( 18 ) وطبقة غلطت في العزلة وتوهّمت أنّ العزلة والسّكن في الكهوف والانفراد في