السلمي
459
مجموعة آثار السلمي
الحقّ . والحقّ قريب إلى العارفين بمعرفتهم ، وعلمهم به بعيد عن الدّرك والإحاطة ، فهو في دنوّه بعيد وفي بعده دان . وتمنّي المحبّ البعد وكراهته القرب لضعفه عن آداب مقام القرب ومواجبه ، إذ الخطر في القرب أكثر والصّعوبة فيه أجلّ ، لأنّ سوء الأدب في القرب ليس كسوء الأدب في البعد ، وأنّ أهل المعارف يؤاخذون مثاقيل الذّرّ وتسامح العوامّ لبعدهم عن مقام العارف . يدلّك عليه قصّة آدم عليه السّلام بزلّة واحدة ، كيف نودي عليه بقوله : وَعَصى آدَمُ ( 20 : 121 ) وأخرج من محلّ المجاورة إلى دار الابتلاء والبلاء ، ومع هذا إنّ الأحباب لهم وللتّمنّي من أحوال المريدين . فإذا عجز العبد عن حمل أثقال مقام القرب استغاث منه والتجأ إلى غير ذلك لضعفه عن حمل مؤن القرب فيرد إلى مقام الرّفاهية ، فربّما يرد وصفا من رفق الحقّ به . وذلك شبه العبد وهو [ 317 ب ] قريب في الحقيقة ، لأنّه إذا تحقّق العبد في مقام القرب لا يرد إلى البعاد ، ولكن ربّما يرد إلى حال العوامّ رفقا به ورفاهية له ، ثمّ إذا ترفّه ردّ إلى محلّه في القرب ، وهذه حالة صحيحة ، واللّه أعلم . ( 6 ) مسألة : إذا كان المراد غير مدرك بالوهم ولا محوط بالفهم ولا منعوت بالعقل ، فما الّذي يهيم قلوب المريدين في طلبه ؟ الجواب عنها : ما أدهشهم ولا يهيمهم إلّا بعد الإدراك بالفهم والوهم وظهور العجز عن حصوله في العقل ، ولا بدّ لهم مع ذلك من الطّلب ، فالمعرفة تطالبهم بالتّحقيق فيه ، والعقل يظهر العجز بالتّحقيق في تحصيل شيء منه أو وقوف على تحقيقه فيه ، فلا درك توهّم ولا حصول تفهّم ولا تمييز تعقّل ، ولا بدّ من الطّلب والتّحقيق فيه والاجتهاد في الوصول إلى المطلوب ، كما قال بعض المشايخ من السّادة : بأن نتصرّم لا سبيل إليه ولا بدّ من الاقتحام فيه فأيّ دهش فوق هذا والحال هذه والمطلوب لا بدّ منه ، والوصول بالحقيقة إليه هو الّذي يهيم في طلبهم وأفناهم في هيمانهم . ( 7 ) مسألة : كلّ الأنبياء كرهوا الموت ، مثل آدم وإبراهيم وموسى . وقال نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أحبّ لقاء اللّه أحبّ اللّه لقاءه ، ومن كره لقاء اللّه كره اللّه لقاءه » . ما المعنى في ذلك ؟ الجواب عنها : الأنبياء كلّهم كرهوا الموت إلّا سيّدنا محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وذلك