السلمي
51
المقدمة في التصوف
وذلك كناية عن هلاكه ، والعياذ باللّه ، ومقته ، وبعده عن اللّه ، عز وجل ، وعمّن اختارهم لحضرته ، ويخشى على من والاهم ، أو أحبّهم ، أو جالسهم ، أن يحدّث في قلبه ما طبع به على قلوبهم فيجب هجرهم في اللّه تعالى ومجانبتهم لقوله تعالى لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [ المجادلة : 22 ] . والعبرة بعموم اللفظ وإن كانت الآية مخرجة على سبب فيصح الاستدلال بها في هذا المقام وأنه يخشى على جاحد ذلك . أعني بذلك من أنكر كرامات الأولياء أحياء وأمواتا ، المقت والبعد عن اللّه بل يخشى عليه من سوء الخاتمة . وأما قول صاحب « بدء الأمالي » : كرامات الولي بدار دنيا فأجابوا عنه بأن معنى كلامه رضي اللّه عنه ما قاله الأئمة المحققون من الحنفية ، وشارحي كلامه بأجوبة من جملتها وهو الصحيح : أن البرزخ في حكم الدنيا ، وأنه ليس من الآخرة كما صرح بذلك الحافظ [ ابن حجر ] في [ فتح الباري ] شرح [ صحيح ] البخاري . فقال إن النصف الأول من الموقف ملحق بالدنيا ، فالبرزخ أولى ، ومن جملتها أنه نص على وقوعها بدار الدنيا فيفهم بطريق الأولى وقوعها بعد الموت لتجرد الروح عن الهيكل الظلماني فيصير التصرف للروح أقوى من الجسم معها ، لأن الروح لا تفنى ، وبعد الموت لها قوة العلم ، وقوة التصرف والتشكل ، خصوصا أرواحهم أعظم مما كانت حال اتصالها بالجسم . ومنها : أجوبة أخرى فلا يظن بصاحب « بدء الأمالي » أنه مخالف لأهل السنة بل هو على هدى ونور من ربه سبحانه وتعالى وأن كلامه في غاية الصحة لمن نوّر اللّه قلبه . ولا يفهم من كلامه أنه لا يقول بكرامة الولي بعد الموت لأنه لا يقول ذلك إلا من طبع على قلبه والعياذ باللّه . واعلم أن مما يجب اعتقاده على كل مكلف أن ، الأوتاد والأنجاب والأبدال ونحوهم موجودون ورد فيهم عدة أحاديث ولا يعوّل على من طعن فيها ، بعضها تقوى ببعض . بل قال بعض الحفاظ : إن بعضها صحيح . وفي « المواهب اللدنية » : وقد خصّ اللّه هذه الأمة الشريفة بخصائص لم تؤتها أمم قبلها أبان بها فضلهم والأخبار والآثار ناطقة بذلك . ثم قال فيها .